2|
12 دقيقة قراءة · 2,324 كلمة
وقفتُ عند البئر، ونسماتُ البرد تعصف بي، تتسلّل من بين ثنايا معطفي وتلامس عنقي كأصابع باردة لا تكفّ عن العبث بي. كانت السماء ملبّدةً بغيومٍ رماديّة، والشمس مختبئةً خلفها، لا يظهر منها سوى ضوءٍ شاحبٍ ينسكب على أسطح البيوت الحجريّة البعيدة.
أمّا الأشجار، فقد أخذت أغصانها تتمايل مع الريح، وتتساقط من بينها أوراقٌ صفراء جافّة، تدور في الهواء قبل أن تستقرّ فوق الأرض الرطبة.
لم أكن أخطّط للخروج في ذلك الصباح.
في الواقع، لم أكن أخطّط لشيءٍ على الإطلاق، حتّى عثرتُ على تلك الجملة.
كنت قد استيقظتُ متأخّرًا قليلًا، على صوت أبي وهو يتحرّك في المطبخ، وصوت إدوارد الذي كان يتذمّر من برودة الماء، كما لو أنّ الماء مسؤولٌ شخصيًّا عن إفساد صباحه.
بقيتُ في فراشي بضع دقائق أخرى، أراقب خيط الضوء المتسلّل من بين الستائر، وأحاول أن أتذكّر ما إذا كان لديّ شيءٌ ينبغي عليّ فعله ذلك اليوم.
لم أجد شيئًا.
وهذا، في رأيي، سببٌ كافٍ للبقاء في السرير.
لكنّني نهضتُ في النهاية، وغسلتُ وجهي، ثمّ ارتديتُ كنزتي الصوفيّة التي تركتُها فوق الكرسيّ منذ الليلة الماضية.
كان المنزل باردًا على نحوٍ غير مألوف، أو لعلّني لم أكن قد استيقظت تمامًا بعد.
مررتُ بالمطبخ، فوجدتُ أبي جالسًا إلى الطاولة يحتسي قهوته، بينما كان إدوارد يقف أمام الخزانة المفتوحة، يبحث عن شيءٍ لا يبدو أنّه يعرف موضعه.
ألقى إليّ أخي نظرةً عابرة.
"أخيرًا استيقظ صاحب السموّ."
لم أجبه. اكتفيتُ بانتزاع قطعة خبزٍ من السلّة، فابتسم ابتسامةً مستفزّة، ثمّ عاد إلى تفتيش الخزانة.
سألني أبي إن كنت سأخرج، فأجبته بأنّني لا أعلم. لم يعلّق على إجابتي، واكتفى بإخباري ألّا أتأخّر إن قرّرتُ ذلك. أومأتُ برأسي، وجلستُ قرب النافذة لأتناول فطوري.
كان صباحًا عاديًّا، بكلّ ما تحمله الكلمة من ملل.
إلى أن تذكّرتُ الكتاب.
لم يكن كتابًا أقرأه بانتظام، ولا أذكر متى بدأتُ الكتابة فيه أصلًا. كنت أحتفظ به بين كتبي، وأدوّن فيه أحيانًا رسوماتٍ عابرة أو كلماتٍ لا أجد لها مكانًا آخر. وحين عدتُ إلى غرفتي بعد الفطور، وقعت عيناي عليه فوق المكتب.
لا أعرف لماذا فتحته.
ربّما كنت أبحث عن صفحةٍ فارغة لأرسم عليها، أو ربّما أردتُ التأكّد من أنّني لم أترك فيه شيئًا ينبغي أن أنجزه. قلّبتُ بضع صفحات، فرأيتُ رسوماتٍ لأغصان الزيتون، ونافذةٍ قديمة، وطريقٍ ضيّقٍ أعرفه جيّدًا. ثمّ توقّفتُ عند صفحةٍ في منتصف الدفتر.
كانت هناك جملةٌ مكتوبة بقلمي.
«أنت لم تنسَ البئر، صحيح؟»
قرأتُها مرّةً، ثمّ ثانية.
لم تكن الجملة طويلةً بما يكفي لتستحقّ كلّ ذلك التأمّل، ومع ذلك بقيتُ أحدّق فيها، محاولًا استعادة اللحظة التي كتبتُها فيها. لم أجد شيئًا. لا أتذكّر أنّني كتبتُ عن بئر، ولا أنّني كنت أفكّر فيه، ولا حتى أنّني زرتُ بئرًا يستحقّ أن أخصّه بعبارةٍ كهذه.
لكنّ خطّي كان واضحًا، والكلمات مألوفةٌ على نحوٍ لا يسمح لي بإنكارها.
مرّرتُ إبهامي فوق الحبر الجافّ، ثمّ قلّبتُ الصفحة لأرى إن كانت هناك تتمّة. لم أجد سوى بياض الورق، فعدتُ إلى الجملة، وقرأتُها من جديد.
أنت لم تنسَ البئر، صحيح؟
كانت تبدو كسؤالٍ موجّهٍ إليّ، لكنّني لم أفهم ما الذي يُفترض بي أن أتذكّره.
أغلقتُ الدفتر، ووضعته على المكتب، ثمّ بقيتُ واقفًا في مكاني لحظات. كان بإمكاني أن أتجاهل الأمر، بالطبع. فقد اعتدتُ العثور على أشياء لا أذكر أنّني وضعتها في أماكنها، ولم يكن من المنطقيّ أن أسمح لجملةٍ غامضة بأن تفسد يومي.
ومع ذلك، لم أستطع التوقّف عن التفكير فيها.
البئر.
لماذا البئر تحديدًا؟
كنت أعرف أنّ في القرية بئرًا قديمًا عند طرف الطريق المؤدّي إلى بساتين الزيتون، بعيدًا قليلًا عن البيوت المأهولة. مررتُ به مراتٍ كثيرة في طفولتي، على ما أظنّ، لكنّني لم أزره منذ زمن.
لم يكن مكانًا مثيرًا للاهتمام؛ مجرّد بناءٍ حجريّ قديم تحيط به الأعشاب البرّيّة، وقد أُغلقت فوهته جزئيًّا بألواحٍ خشبيّة بعد أن صار الاقتراب منه خطرًا.
لماذا قد أكتب عنه إذن؟
نظرتُ إلى الدفتر مجدّدًا، ثمّ إلى النافذة. كان الهواء في الخارج باردًا، لكنّ السماء لم تكن تمطر بعد. لو خرجتُ الآن، فقد أعود قبل أن يشتدّ الطقس.
لم أقل لنفسي إنّني ذاهبٌ للبحث عن إجابة. لم أكن أبحث عن شيءٍ أصلًا.
أردتُ المشي فحسب.
وهكذا، ارتديتُ معطفي، وأخذتُ مفاتيحي من فوق الطاولة، ثمّ خرجتُ من المنزل دون أن أخبر أحدًا بوجهتي.
سمعتُ إدوارد يناديني من الداخل، يسألني إن كنت قد رأيتُ وشاحه، لكنّني لم ألتفت. لم أكن أعرف أين وضع وشاحه، كما أنّني لم أكن أريد أن أشرح له لماذا قرّرتُ الخروج في صباحٍ كهذا.
أغلقتُ الباب خلفي، وانطلقتُ في الطريق الحجريّ الذي يشقّ القرية.
كانت الشوارع شبه خالية، ولم ألتقِ سوى برجلٍ مسنٍّ يجرّ عربةً صغيرة، وامرأةٍ تكنس أوراق الخريف عن عتبة منزلها. حيّيتُهما بإيماءةٍ مقتضبة، ومضيتُ دون أن أبطئ خطاي. كلّما ابتعدتُ عن البيوت، خفّت الأصوات من حولي، حتى لم يبقَ سوى حفيف الأشجار وصفير الريح بين الأغصان.
لم أكن أشعر بالخوف.
على الأقلّ، لم أجد سببًا يدعوني إليه.
كان الطريق مألوفًا، والأشجار على جانبيه هي الأشجار نفسها التي أراها كلّ يوم، والحجارة الصغيرة التي تدحرجت تحت حذائي لم تكن سوى حجارة. ومع ذلك، وجدتُ نفسي أستعيد الجملة في ذهني مرارًا، وأتساءل إن كان عليّ أن أتوقّف عن التفكير فيها.
أنت لم تنسَ البئر، صحيح؟
ربّما كنتُ قد زرته مؤخرًا ونسيتُ ذلك. لم يكن الأمر مستحيلًا؛ فأنا أنسى أشياء أكثر أهميّة من نزهةٍ قصيرة. وربّما كتبته لأنّني كنت أنوي الذهاب إليه، ثمّ انشغلتُ بشيءٍ آخر، كما يحدث لي كثيرًا.
كان ذلك تفسيرًا معقولًا، ولذلك قرّرتُ الاكتفاء به.
لكنّني، حين انعطف الطريق أخيرًا بين أشجار الزيتون، وظهر البئر أمامي، وجدتُ خطواتي تتباطأ من تلقاء نفسها.
كان أصغر ممّا تخيّلتُ.
أو لعلّني كنت أتذكّره على نحوٍ مختلف.
تقدّمتُ بحذر، متجاوزًا الأعشاب التي نمت بين الحجارة، حتى صرتُ على بُعد خطواتٍ قليلة منه.
كان الجدار الحجريّ خشنًا، وقد غطّت الطحالب أجزاءً منه، بينما استقرّت فوق الألواح الخشبيّة أوراقٌ جافّة حملتها الريح من الأشجار القريبة. بدا المكان مهجورًا منذ سنوات، ولم يكن فيه ما يميّزه عن أيّ ركنٍ آخر من أركان القرية القديمة.
ومع ذلك، وقفتُ أمامه طويلًا.
لماذا شعرتُ بأنّني تأخّرت؟
لم يكن ذلك منطقيًّا؛ فلم يحدّد لي أحدٌ موعدًا، ولم يكن ثمّة من ينتظرني هنا. كنتُ قد خرجتُ من المنزل قبل أقلّ من ساعة، ولم أكن قد وعدتُ أحدًا بالمجيء.
ومع ذلك، راودني إحساسٌ عابرٌ بأنّني تركتُ شيئًا في هذا المكان، وأنّني عدتُ الآن لاستعادته.
أدخلتُ يدي في جيب معطفي، وأخرجتُ الدفتر الصغير الذي أخذتُه معي دون تفكير. فتحته على الصفحة ذاتها، وألقيتُ نظرةً على العبارة المكتوبة فيها.
«أنت لم تنسَ البئر، صحيح؟»
رفعتُ عينيّ نحو الفوهة المغلقة.
ثمّ تمتمتُ، دون أن أعرف تمامًا ما الذي أنتظر سماعه:
"وماذا يُفترض بي أن أتذكّر؟"
لم أتلقَّ جوابًا، بالطبع. لم يكن في المكان أحدٌ سواي، أو هكذا ظننت.
فقد لمحتُ، من طرف عيني، حركةً عند الطرف الآخر من الطريق، بين أشجار الزيتون المتراصّة. رفعتُ رأسي، محاولًا التبيّن من مصدرها، لكنّ الريح كانت قد اشتدّت، وأخذت الأغصان تتمايل بعنفٍ، فتحجب ما وراءها كلّما انفرجت لحظةً لتكشفه.
بدا لي أنّ هناك شخصًا يقف بعيدًا، حيث يضيق الطريق قبل أن يختفي خلف الأشجار.
ضيّقتُ عينيّ، وانحنيتُ قليلًا إلى الأمام.
كان بعيدًا أكثر ممّا ينبغي لأميّز ملامحه، ولم أستطع الجزم إن كان ينظر نحوي أم أنّه لم ينتبه إلى وجودي أصلًا. كلّ ما رأيته كان هيئةً داكنةً تتخلّلها ظلال الأغصان، ثابتةً على نحوٍ أثار انزعاجي.
كدتُ أناديه، لكنّ الكلمات بقيت عالقةً في حلقي.
لماذا أفعل ذلك أصلًا؟ ربما كان أحد أبناء القرية، وربما كان عابرًا اختار هذا الطريق ليختصر المسافة.
لم يكن في الأمر ما يستدعي القلق، ومع ذلك وجدتُ أصابعي تنقبض حول الدفتر حتى انثنت إحدى زواياه.
ثمّ تحرّك الشخص.
خطوةً واحدة، فحسب، لكنّها كانت كافيةً لتجعلني أتراجع نصف خطوة دون وعي. وبعدها تقدّم مجدّدًا، ببطءٍ، كأنّه يعرف تمامًا إلى أين يتّجه، ولا يحتاج إلى النظر إلى الطريق أمامه.
كانت الريح تصفع وجهي، وتدفع خصلات شعري إلى عينيّ، فحاولتُ إبعادها بيدي، غير أنّني لم أستطع أن أُبقي نظري عليه طويلًا. كلّما اقترب، ازدادت ملامحه غموضًا بدل أن تتّضح، حتى خُيّل إليّ أنّ المسافة بيننا لا تتناقص على النحو الذي ينبغي لها.
ابتلعتُ ريقي.
لم أكن أخاف منه، أو هكذا حاولتُ إقناع نفسي. لم يكن قد فعل شيئًا يستحقّ الخوف، ولم أرَ في يديه ما يدعو إلى الحذر. لكنّني، لسببٍ لم أفهمه، تمنّيتُ لو أنّني لم آتِ إلى هنا وحدي.
أغمضتُ عينيّ بقوّة، كأنّ إغلاقهما سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل لحظات. ظللتُ على تلك الحال برهةً، أصغي إلى صفير الريح واحتكاك الأوراق بعضها ببعض، وأنتظر أن أسمع وقع خطواتٍ تبتعد، أو صوتًا يخبرني بأنّني حمّلتُ موقفًا عاديًّا أكثر ممّا يحتمل.
لكنّني لم أسمع شيئًا واضحًا.
وحين فتحتُ عينيّ أخيرًا، لم يكن الشخص أمامي.
كان قد وصل إلى البئر.
رأيتُه جالسًا خلف الجدار الحجريّ، على الجانب المقابل لي، بحيث لم يظهر من جسده سوى ظهره. كان يرتدي معطفًا داكنًا، وقد انحنى قليلًا إلى الأمام، كأنّه يتأمّل شيئًا عند قدميه. لم أستطع رؤية وجهه، ولا معرفة ما إذا كان قد لاحظني حين اقترب، أو أنّه كان هناك منذ البداية ولم أنتبه إليه إلا متأخّرًا.
ظللتُ أحدّق فيه دون حراك.
كان غريبًا أن يقطع كلّ تلك المسافة ليجلس خلف بئرٍ مهجور، في صباحٍ باردٍ كهذا، من غير أن يلتفت أو ينطق بكلمة. والأغرب أنّني لم أسمع صوت خطواته حين وصل، مع أنّ الأرض كانت مغطّاةً بالأوراق اليابسة والحصى.
أخفضتُ بصري إلى الدفتر المفتوح بين يديّ، ثمّ رفعته إليه من جديد.
للحظةٍ قصيرة، شعرتُ بأنّني أعرف ذلك المعطف.
لم أعرف من أين.
ربّما رأيتُه في مكانٍ ما، أو لعلّ اللون وحده أوحى إليّ بذلك. حاولتُ أن أستعيد صورةً واضحةً في ذهني، لكنّني لم أجد سوى إحساسٍ باهت، يشبه تذكّر حلمٍ يتلاشى كلّما حاولت الإمساك به.
حرّكتُ شفتيّ، وكدتُ أسأله عن سبب وجوده هنا.
غير أنّ الشخص مال برأسه قليلًا، كأنّه أصغى إلى شيءٍ خلفه.
نظرتُ إلى الطريق الخالي خلفي، ثمّ إلى الدفتر في يدي.
ومنذ خرجتُ من المنزل، لم أجد تفسيرًا معقولًا لما يحدث.
"مَن أنت؟"
خرج السؤال منّي متردّدًا، أضعف ممّا أردتُ له أن يكون، وتبعثر آخره في مهبّ الريح. انتظرتُ أن يلتفت الرجل، أو أن يرفع رأسه على الأقلّ، لكنّه ظلّ جالسًا في مكانه، مولّيًا إيّاي ظهره، كأنّه لم يسمعني أصلًا.
لم أجد جوابًا.
بدأتُ أشعر بانقباضٍ مزعج في صدري، وأخذتُ أراقب هيئته بصمت، محاولًا أن أجد تفسيرًا لوجوده. كان يرتدي رداءً داكنًا فضفاضًا، ينسدل حتى كاحليه، وقد غطّى رأسه بقلنسوةٍ عميقة حجبت ملامحه تمامًا. لم يظهر منه شيءٌ سوى ظهره المنحني قليلًا ويديه المستترتين في كمّي ردائه.
هل كان رجلًا مسنًّا؟ شابًّا؟ أم أنّني كنت أُسيء تقدير المسافة؟
لم أستطع معرفة ذلك.
هل يُعقل أنّني مجنون حقًّا؟
تسلّل السؤال إلى رأسي دون استئذان، وأعقبه آخر أشدّ إزعاجًا.
هل أتخيّل أشياء غير واقعيّة؟
لم تكن هذه المرّة الأولى التي أرى فيها شيئًا لا أستطيع تفسيره، لكنّ وجود شخصٍ أمامي، على هذه المسافة القريبة، جعل الأمر مختلفًا.
كنتُ أستطيع أن أقول إنّ طيف العصفور مجرّد وهمٍ صنعه ذنبي، أو إنّني أخطأتُ حين ظننتُ أنّني رأيتُ قطًّا أسود يراقبني من آخر الزقاق؛ أمّا هذا الرجل، فقد كان يجلس على الجانب الآخر من البئر، في المكان نفسه الذي أستطيع رؤيته بوضوح.
أو على الأقلّ، كنت أظنّ أنّني أراه.
شدَدتُ قبضتي على دفتري، وتراجعتُ خطوةً أخرى، أتهيّأ للعودة من حيث أتيت. لا أريد أن أبقى هناك لحظةً إضافيّة، ولستُ بحاجةٍ إلى معرفة هويّة شخصٍ غريبٍ يختار الجلوس خلف بئرٍ مهجور في طقسٍ كهذا.
لكنّني، قبل أن أستدير، رأيتُه يتحرّك.
مدّ يده ببطءٍ إلى جواره، ثمّ أخرج دفترًا صغيرًا لم ألحظ وجوده من قبل. كان غلافه داكنًا، تكاد أطرافه تذوب في لون ردائه، وقد بدا قديمًا بما يكفي لتتآكل حوافه. أمسكه من أحد جانبيه، ثمّ مدّ ذراعه نحوي، مقدّمًا إيّاه دون أن يلتفت.
تردّدتُ.
نظرتُ إلى الدفتر، ثمّ إلى اليد التي تحمله. لم أفهم ما الذي يريده منّي، ولماذا أحضره إلى هنا، أو لماذا تصرّف وكأنّه كان ينتظرني منذ وقتٍ طويل.
"ما هذا؟" سألتُه.
لم يجب.
ظلّ ذراعه ممدودًا في الهواء، ثابتًا على نحوٍ جعلني أشعر بأنّ رفضي لن يغيّر شيئًا، وأنّ الدفتر سيبقى هناك حتى آخذه.
كان بإمكاني أن أتركه وأرحل.
كان ذلك ما ينبغي لي فعله، في الحقيقة.
ومع ذلك، تقدّمتُ خطوةً، ثمّ أخرى، ومددتُ يدي وانتزعتُ الدفتر من بين أصابعه. لم يبدِ أيّ ردّ فعل، ولم يحاول إيقافي حين سحبتُه نحوي. كان خفيفًا على نحوٍ مفاجئ، تفوح من صفحاته رائحة الورق القديم، وتبدو حوافه وكأنّها تعرّضت للرطوبة ثمّ جفّت مرارًا.
أبقيتُ عينيّ على الرجل وأنا أفتحه.
كانت الصفحة الأولى بيضاء.
قلّبتُها، فوجدتُ الثانية كذلك، ثمّ الثالثة. أخذتُ أتصفّح الأوراق بسرعةٍ متزايدة، ولم أجد سوى صفحاتٍ خالية، حتى ظننتُ أنّه أعطاني دفترًا فارغًا لمجرّد العبث بي.
"أهذا كلّ شيء؟"
هذه المرّة، حرّك الرجل رأسه حركةً طفيفة، لكنّه لم ينطق.
كدتُ أُغلق الدفتر وأعيده إليه، لولا أنّني لمحتُ كلماتٍ في أسفل إحدى الصفحات، مكتوبةً بحبرٍ أسود، بخطٍّ بدا مألوفًا على نحوٍ أقلقني.
توقّفتُ عن الحركة.
ثمّ قرأتُ ما كُتب:
"سأجيبك. إن وعدتني بشيءٍ واحد."
تأمّلتُ العبارة لحظات، ثمّ قلّبتُ الصفحة لأتأكّد من أنّ بقيّة الكلام لم تختفِ في مكانٍ آخر، لكنّني لم أجد سوى البياض الممتدّ أمامي.
عدتُ إلى السطر ذاته، وقرأته ببطء، محرّكًا شفتيّ مع كلّ كلمة:
«سأجيبك. إن وعدتني بشيءٍ واحد.»
رفعتُ رأسي نحو الرجل، وقد بدأتُ أفقد صبري.
"أيّ شيء؟"
لم يُجب، بطبيعة الحال.
كدتُ أضحك من شدّة استيائي. ها أنا أقف عند بئرٍ مهجور، في صباحٍ بارد، أتحدّث إلى رجلٍ لا أعرف عنه شيئًا، وأنتظر منه إجاباتٍ يقدّمها لي على دفعات، كما لو أنّنا نؤدّي مشهدًا رديئًا من إحدى القصص التي يقرأها إدوارد ثمّ يسخر من نهاياتها.
"حسنًا، وماذا تريد منّي؟ أن أبيع روحي؟"
لم يصدر عنه ما يدلّ على أنّه سمعني. اكتفى بمدّ يده مرّةً أخرى، مشيرًا إلى الدفتر الذي أحمله، ففهمتُ أنّ عليّ أن أواصل القراءة.
تنفّستُ بضيق، وخفضتُ عينيّ إلى الصفحة.
كانت هناك كلماتٌ أخرى، لم ألحظها في المرّة الأولى، مكتوبةً أسفل العبارة السابقة بخطٍّ أكثر تماسكًا، كأنّ صاحبها تعمّد أن يترك بين السطرين مسافةً كافيةً ليجعلني أنتظر.
قرأتُها:
«ألّا تجعل فضولك يتغلّب عليك. ستعرف كلّ شيء حين يحين الوقت.»
بقيتُ أحدّق في الكلمات، وقد انعقد حاجباي دون أن أشعر.
يا له من طلبٍ سخيف.
كيف يُفترض بي أن أعده بذلك، وهو الذي جاءني إلى هنا، وقدّم لي دفترًا غامضًا، ثمّ أخذ يكتب فيه عباراتٍ لا تفسّر شيئًا، بل تجعل الأمر أكثر إرباكًا؟
أليس من الطبيعيّ أن أرغب في معرفة ما يجري؟ ومن الذي يطلب من شخصٍ ألّا يسأل، ثمّ يتوقّع منه أن يثق به؟
أغلقتُ الدفتر نصف إغلاق، ورفعتُ نظري إليه.
"وكيف لي أن أعدك بشيءٍ كهذا، وأنا لا أعرف حتى من تكون؟"
ظلّ ساكنًا.
هبّت الريح بيننا، فارتجفت أطراف ردائه، وتطايرت بضع أوراقٍ يابسة عند قدميه. وللحظةٍ خاطفة، خُيّل إليّ أنّه ابتسم تحت غطاء رأسه، لكنّني لم أستطع التأكّد، ولم أكن واثقًا أصلًا من أنّني رأيت شيئًا.
هل كان عليّ أن أُجاريه حقًّا؟
ظللتُ أتأمّل الدفتر بين يديّ، متردّدًا في ما ينبغي لي فعله. لم أكن من النوع الذي يثق بالغرباء بسهولة، ولا سيّما أولئك الذين يخفون وجوههم تحت أرديةٍ داكنة، ثمّ يتصرّفون كما لو أنّهم يعرفون عنّي أشياء لا أعرفها عن نفسي.
ومع ذلك، كان فضولي يلحّ عليّ بإصرار.
تنهدتُ، ثمّ أسندتُ الدفتر إلى حافة البئر، وأدرته بحيث تكون الصفحة في متناول الرجل، قبل أن أدفعه قليلًا باتّجاهه.
"حسنًا، لنفترض أنّني وافقت. لكنّني أريد أن أفهم شيئًا واحدًا."
أمسكتُ القلم، وكتبتُ في الصفحة أسفل عبارته:
«كيف لي أن أثق بشخصٍ بالكاد ألمح ملامحه؟»
ما إن انتهيتُ حتى وضعتُ القلم إلى جانب الدفتر، ثمّ دفعته نحوه مجدّدًا، وأفسحتُ له المجال ليكتب.
لم يتعجّل في الردّ؛ مدّ يده بهدوء، وأخذ القلم بين أصابعه، ثمّ انحنى فوق الصفحة. كنتُ أراقب حركة يده، محاولًا أن أستشفّ شيئًا عن صاحبها من طريقة إمساكه بالقلم، لكنّني لم أصل إلى نتيجة.
بعد لحظات، أعاد القلم إلى مكانه، وأدار الدفتر نحوي.
كانت إجابته مكتوبةً بخطٍّ واضح:
«أنت لا تعرفني، يا إيليو، لكنّك تعرفني أكثر ممّا تظنّ.»
قرأتُ العبارة مرّتين، ثمّ رفعتُ رأسي إليه.
"وهل يُفترض أن يجعلني ذلك أكثر اطمئنانًا؟"