1|
12 دقيقة قراءة · 2,317 كلمة
لا أفهم لماذا يعتقد أخي أنني لا أحب البقاء وحدي.
أخبرني بذلك صباح اليوم، بينما كنت أجلس قرب النافذة أراقب دجاجة أبي وهي تحاول عبثًا إخراج رأسها من بين قضبان السياج. قال إنني أقضي وقتًا طويلًا في غرفتي، وإنني سأصبح غريب الأطوار إن واصلت فعل ذلك.
لم أجبه.
ليس لأنني لم أجد ما أقوله، بل لأنني كنت أراقب الدجاجة، وقد نجحت أخيرًا في إخراج رأسها، ثم عادت وأدخلته من الجهة الأخرى.
أخي لا يفهم أشياء كثيرة.
مثلًا، لا أفهم لماذا يصرّ الناس على أن يكون المرء برفقة أحدهم طوال الوقت. أليس من المريح أن يجلس الإنسان دون أن يضطر إلى مجاراة حديث لا يهمه، أو أن يسمع صوتًا لا يريد سماعه، أو أن يشرح سبب صمته كل بضع دقائق؟
أنا لا أكره الناس، على فكرة.
أحب بعضهم، على ما أظن.
لكنني لا أرى ضرورة لأن يكونوا حولي في كل لحظة. هناك فرق بين أن تحب شخصًا وأن ترغب في وجوده إلى جوارك طوال اليوم، أليس كذلك؟
حسنًا، لا تجب. أعرف أنك لا تستطيع.
أحيانًا أنسى أنك لا تجلس أمامي حقًّا، وأنني أتحدث إلى نفسي فحسب. لا بأس، يحدث ذلك حين يطول صمت المرء. يبدأ في اختراع مستمع لا يقاطعه، ولا يسأله عن سبب احمرار عينيه، ولا يحدّق في وجهه بتلك النظرة التي يستخدمها الكبار حين يعتقدون أن طفلًا ما يخفي عنهم أمرًا.
لا أخفي شيئًا.
ولو كنت أخفي شيئًا، لما أخبرتك بذلك، أليس كذلك؟
على أي حال، أنا أحب قريتنا. أحب الطريق الترابي المؤدي إلى الحقول، وأحب أشجار الزيتون التي تبدو في الشتاء كأنها عجائز متعبات، وأحب رائحة الخبز حين تخرج من الفرن في الصباح.
وأحب منزلنا أيضًا، رغم أن أرضيته تصدر أصواتًا مزعجة في الليل، وأن الباب الخشبي لغرفتي لا يُغلق إلا إذا دفعته بكتفي.
لكن أكثر ما أحبه فيه هو أنني أعرفه جيدًا.
أعرف أي درجة من درجات السلم تصدر صريرًا، وأعرف أين يضع أبي مفاتيحه، وأعرف أن إدوارد يترك حذاءه قرب الباب ثم يدّعي أنه لا يتذكر أين وضعه.
أعرف أشياء كثيرة.
أو هكذا أظن.
في بعض الأحيان، أجد أشياء في غرفتي لا أذكر أنني أحضرتها. قلم فوق النافذة، كتاب تحت السرير، أو ورقة مطوية داخل أحد كتبي. لا أرى في ذلك أمرًا غريبًا؛ فمن الطبيعي أن ينسى الإنسان أين وضع أغراضه، خصوصًا حين يكون رأسه مشغولًا بأمور أهم.
مثل الدجاجة التي علقت رأسها في السياج مجددًا.
أقسم إنني لا أفهم كيف تفعل ذلك.
لكن هناك أمرًا واحدًا لا أحبه.
أن يسألني أحدهم عمّا فعلته بالأمس، ثم ينتظر مني إجابة طويلة ومفصّلة. لا أعرف لماذا يفعلون ذلك، وكأن الأيام دفاتر مرتبة، يستطيع المرء فتح أي صفحة منها واستعادة كل ما كُتب فيها.
أنا لا أتذكر كل شيء، بالطبع.
أنت أيضًا لا تفعل، أليس كذلك؟
لا بأس إن لم تجب.
أحيانًا أتذكر موقفًا صغيرًا بوضوح، وأعجز عن تذكر شيء حدث بعده بدقائق. وأحيانًا أعرف أنني فعلت أمرًا ما، لكنني لا أذكر متى فعلته أو كيف بدأت به.
لا أظن أن هذا مهم.
فأنا ما زلت أعرف اسمي، وأعرف منزلي، وأعرف أبي وأخي. وأستطيع أن أميّز صوت خطوات أبي عن خطوات أخي حتى لو كنت في الطابق العلوي.
إذًا، ما المشكلة؟
لا توجد مشكلة.
على الأقل، لم يقل لي أحد إن هناك مشكلة.
إلى أن جاء ذلك اليوم.
في ذلك الصباح، وجدت ورقة تحت وسادتي.
لم أكن أبحث عنها، ولم أكن أبحث عن شيء أصلًا. كنت أريد ترتيب فراشي قبل أن يدخل إدوارد ويبدأ محاضرته اليومية عن الكسل، فظهرت الورقة حين رفعت الوسادة.
كانت مطوية إلى نصفين، صغيرة بما يكفي لأخفيها داخل قبضتي.
فتحتها.
ثم أعدت طيّها.
لا شيء مهمًّا، في الحقيقة. مجرد بضع كلمات مكتوبة بخط أعرفه جيدًا.
خطّي.
ابتسمت قليلًا. ربما تركتها هناك بالأمس. يحدث أن أكتب أشياء ثم أنساها، ولا أرى في ذلك ما يدعو إلى القلق.
لكنني لم أبتسم طويلًا.
فقد كانت الرسالة تقول:
«أنت لا تحب البقاء وحدك، أليس كذلك؟»
حدّقت في الكلمات.
ثم ضحكت.
يا لها من مزحة سخيفة!
لا بد أن أخي كتبها. إنه يعرف كيف يقلّد خطي، أو ربما استعان بإحدى دفاتري. سأواجهه بها لاحقًا، وحين يحاول إنكار الأمر، سأذكّره بأنه الشخص نفسه الذي أخبرني قبل أيام أنني أخاف الوحدة.
غريب.
لا أذكر أنه قال ذلك.
بل لا أذكر أنني أخبرته يومًا أنني أخافها.
ومع ذلك، لا بد أن أحدنا قال شيئًا من هذا القبيل. وإلا، فمن أين جاءته الفكرة؟
طويت الورقة بعناية ووضعتها في جيبي.
ثم خرجت إلى الفناء أبحث عن أخي.
كان هناك، قرب الباب، يحاول إصلاح مقبض دلو قديم. رفع رأسه حين رآني، وقال شيئًا عن تأخري في الاستيقاظ.
لم أسمعه جيدًا.
كنت أفكر في الرسالة.
لا، لم أكن أفكر فيها حقًّا. لم تكن تستحق كل هذا التفكير.
لكنني أخرجتها من جيبي مرة أخرى، وفتحتها، وقرأت السؤال.
«أنت لا تحب البقاء وحدك، أليس كذلك؟»
رفعت رأسي نحو أخي.
"هل كتبتَ هذه؟"
نظر إلى الورقة، ثم إليّ.
"كتبت ماذا؟"
ناولته إياها.
قرأها، وأعادها إليّ بوجه خالٍ من الاهتمام.
"لا. ولماذا أكتب لك مثل هذا الكلام؟"
"لا أدري."
وهذا صحيح. لم أكن أدري.
حدّق فيّ قليلًا، ثم عاد إلى دلوه.
"ربما كتبتها أنت، ثم نسيت."
هززت كتفيّ.
ربما.
لماذا لا؟
وضعت الورقة في جيبي، وانشغلت بمراقبة الدجاجة التي كانت تحاول هذه المرة تسلق السياج.
لم أفكر في الرسالة بعدها.
أو، على الأقل، لا أذكر أنني فعلت.
لكنّ النِّسيانَ غدا، مع مرور الوقت، أمرًا مألوفًا على نحوٍ غير اعتيادي. كأنّه جزءٌ صغيرٌ منّي، اعتاد الجميع وجوده حتى كفّوا عن الالتفات إليه.
أبي لم يعد يسألني عن الأشياء التي أضعها في غير مواضعها، وإدوارد لم يعد يرفع حاجبيه مستنكرًا حين أعيد عليه سؤالًا سبق أن أجابني عنه منذ لحظات. أظنّهما قد تصالحا مع الأمر أخيرًا، أو لعلّهما أدركا أنّ تذكيري في كلّ مرّة لن يغيّر شيئًا، فآثرا الصمت على عتابٍ لا طائل منه.
ومع ذلك، لا أستطيع منع نفسي من التساؤل عمّا إذا كان النسيان أمرًا بهذه البساطة حقًّا، أم أنّني وحدي من يراه كذلك.
أحيانًا، أشعر بأنّني أترك خلفي أشياء أكثر ممّا ينبغي، كلماتٍ لم أعد أذكر أنّني قلتها، وأحاديثَ أقسم أنّني لم أشارك فيها، وأغراضًا أعثر عليها في أماكن لا أذكر أنّني وضعتها فيها. لكنّني، حين أحاول استعادة تلك التفاصيل، لا أجد سوى فراغٍ صغيرٍ في ذهني، فأهزّ كتفيّ وأمضي. ما جدوى الوقوف طويلًا أمام بابٍ لا أعرف أين يؤدّي؟
غير أنّ ثمّة أمرًا واحدًا لا أستطيع تجاوزه، مهما حاولت إقناع نفسي بأنّ الوقت كفيلٌ بمحو كلّ شيء.
العصفور..
كان صغيرًا، خفيفًا إلى حدّ أنّني كنت أخشى أن أؤذيه إن أمسكت به بين كفّيّ، وكان يحرّك جناحيه كلّما اقتربتُ من قفصه، كأنّه يعرفني ويطمئنّ إلى وجودي. لا أدري إن كان يحبّني حقًّا، أم أنّه اعتاد رؤيتي فحسب، لكنّني كنت أحبّ الاعتقاد بأنّ حضوري يعني له شيئًا. كنت أملأ وعاءه بالماء، وأضع له طعامه، وأراقبه طويلًا وهو ينقر الحبوب بمنقاره الصغير، ثمّ أعود إلى ما كنت أفعله، مطمئنًّا إلى أنّه بخير.
إلى أن نسيت.
لا أذكر كم مرّةً مررتُ بقفصه دون أن أنتبه إليه، ولا كم يومًا ظللتُ أؤجّل إطعامه لأنّني كنت منشغلًا بشيء آخر، أو لأنّني ببساطة لم أتذكّر أنّ هناك كائنًا صغيرًا ينتظرني.
كلّ ما أعرفه أنّني، في أحد الصباحات، اقتربتُ من القفص فوجدته ساكنًا على نحوٍ لم أعهده منه. لم يرفرف حين رآني، ولم يملأ المكان بصوته الرفيع، ولم يتحرّك حتّى حين ناديتُه.
كان ميتًا.
وأنا من تركه يموت.
أعلم أنّني لم أفعل ذلك عمدًا، وأنّني لم أكن أريد له الأذى، لكنّ هذه الحقيقة لا تجعل الأمر أقلّ قسوة.
فما الفرق، بالنسبة إلى كائنٍ صغيرٍ لا يستطيع أن يملأ وعاءه بنفسه، بين أن أنساه وبين ألّا أهتمّ لأمره؟ لا أظنّ أنّه كان سيجد فرقًا كبيرًا، لو أنّه استطاع التفكير في الأمر أصلًا.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد غيابه يشبه غياب الأشياء الأخرى التي أنساها. فالأشياء يمكن العثور عليها من جديد، والكلمات يمكن تكرارها، والأحاديث يمكن إعادتها من بدايتها، أمّا هو، فلم يكن بوسعي أن أعيده إلى الحياة مهما حاولت.
والأغرب أنّني ما زلت أراه أحيانًا.
ليس العصفور نفسه، بالطبع. فأنا أعرف أنّه مات، وقد دفنتُه بيديّ، وإن كنت لا أحبّ التفكير كثيرًا في ذلك اليوم.
إنّما أرى طيفه يحوم في أرجاء الغرفة، يمرّ بمحاذاة النافذة أو يستقرّ لحظةً فوق حافّة المكتب، ثمّ يختفي قبل أن أتمكّن من التأكّد من أنّني رأيته حقًّا.
وأحيانًا، حين أكون غارقًا في عملي، يخال إليّ أنّني أسمع رفرفة جناحيه، فأرفع رأسي تلقائيًّا، منتظرًا أن أراه عند القفص.
لكنّ القفص يبقى فارغًا.
وفي بعض المرّات، أسمع صوته أيضًا؛ خافتًا، متقطّعًا، كأنّه يأتي من مكانٍ بعيد لا تستطيع يدي بلوغه. لا يغنّي لي كما كان يفعل، بل يوبّخني، أو هكذا أتخيّل..
يذكّرني بأنّني نسيتُه، بأنّني انشغلتُ عنه، بأنّني تركته ينتظر حتّى لم يعد لديه ما ينتظره.
أعرف أنّ العصافير لا تفعل ذلك، وأنّ عصفوري لم يكن قادرًا على لوم أحد، لكنّني أتمنّى لو أنّه كان غاضبًا منّي حقًّا. لو أنّه استطاع أن يكرهني قليلًا، لربّما شعرتُ بأنّني أستحقّ ما حدث، ولما اضطررتُ إلى حمل هذا الصمت الثقيل وحدي.
ومع ذلك، فإنّ أكثر ما يؤلمني ليس أنّني أراه أحيانًا، ولا أنّني أسمع صوته حين يخلو المكان من الأصوات، بل أنّني، في بعض الأيّام، أنسى أمره تمامًا.
أمضي ساعاتي كما أفعل عادةً، أرسم أو أقرأ أو أتحدّث إلى إدوارد، ولا يخطر لي أنّ عصفورًا صغيرًا مات لأنّني لم أتذكّر إطعامه. ثمّ ألمح القفص من طرف عيني، أو أسمع رفرفةً عابرة، فيعود كلّ شيء دفعةً واحدة، فأشعر بالخجل من نفسي.
كيف أمكنني أن أنساه؟
وكيف أمكنني، بعد كلّ ذلك، أن أنسى أنّني نسيتُه؟
لم أخبر أحدًا بما أراه، على الأقلّ ليس في البداية.
لم أجد في الأمر ما يستحقّ أن أثير حوله ضجّة، وكنت أفضّل الاحتفاظ ببعض الأشياء لنفسي، لا سيّما تلك التي لا أجد لها تفسيرًا مقنعًا.
لكنّ الأطفال في القرية لا يعرفون كيف يتركون أمرًا يثير فضولهم وشأنه؛ فهم يراقبون أكثر ممّا ينبغي، ويسألون عن أشياء لا تعنيهم، ثمّ يتبادلون فيما بينهم قصصًا لا أعرف من أين يأتون بها أصلًا.
في أحد الأيّام، بينما كنت جالسًا على الحافّة الحجرية قرب الساحة، لمح أحدهم القطّ الأسود الذي اعتدت رؤيته في الجوار، أو لعلّه لمحني وأنا أحدّق في مكانٍ خالٍ.
لا أذكر كيف بدأ الحديث تحديدًا، لكنّني أذكر أنّهم أحاطوا بي بعد قليل، يتناوبون النظر إليّ وإلى بعضهم بعضًا، قبل أن يسألني أصغرهم عمّا إذا كنت أرى أشياء لا يراها الآخرون.
أجبته بالنفي، لأنّ السؤال بدا لي سخيفًا، فضحك أحدهم وقال إنّني أكذب، بينما اقترح آخر، بنبرةٍ جادّة على نحوٍ مضحك، أن أزور طبيبًا.
طبيبًا؟ من أجل ماذا، يا تُرى؟ لأنّني أنسى أين أضع أقلامي؟ أم لأنّني أحيانًا أرى عصفوري الميت في غرفتي؟
لم أفهم كيف استطاعوا الانتقال من أمرٍ إلى آخر بهذه السرعة، لكنّهم أصرّوا على أنّني أحتاج إلى من يفحص رأسي، وأنّ أخا أحدهم يعرف صبيًّا كان يتصرّف مثلي قبل أن يأخذه والداه إلى الطبيب.
لم يعجبني تشبيههم ذاك، ولم أجد فيه ما يدعو إلى الضحك، فنهضت وتركتهم يتجادلون خلفي، متظاهرًا بأنّ كلماتهم لم تترك في نفسي أثرًا يُذكر.
غير أنّ بعض الكلمات تملك قدرةً مزعجة على البقاء، حتى بعد أن ينسى المرء الوجوه التي نطقتها.
طبيب. فحص. رأسي.
ثمّ جاءت الكلمة الأخرى، تلك التي لم يجرؤ أحد منهم على قولها صراحةً، لكنّني سمعتها في ضحكاتهم ونظراتهم، ووجدتني أستحضرها من تلقاء نفسي كلّما خلوت إلى أفكاري.
الجنون.
لم أكن مجنونًا. لا، بالطبع لم أكن كذلك.
أعرف اسمي، وأعرف أين أعيش، وأستطيع التحدّث والقراءة والرسم، بل إنّني أحيانًا ألاحظ تفاصيل لا ينتبه إليها الآخرون.
كنت أعرف أنّ العصفور قد مات، وأنّ القطط لا تختفي لأنّها أشباح، وأنّ الأشياء لا تتحرّك من تلقاء نفسها لمجرّد أنّني لم أكن أنظر إليها.
فما الذي قد يكون بي، إذن؟ أليس الجنون شيئًا آخر؟ شيئًا أبعد من نسيان موعدٍ أو سماع صوتٍ خافتٍ في غرفة هادئة؟
حاولت أن أستعيد ما أعرفه عن المجانين، فوجدتني أتذكّر حكاياتٍ سمعتها من قبل، وأشخاصًا في الكتب كانوا يتحدّثون إلى أنفسهم أو يصدّقون أشياء لا وجود لها.
لم أشبه أيًّا منهم، أو هكذا خُيّل إليّ. أستطيع التمييز بين ما حدث فعلًا وما لم يحدث، أليس كذلك؟ كنت أعرف أنّني لم أطعم العصفور، وأنّني لم أسمع صوته منذ موته، وأنّ رؤيتي له لا تعني بالضرورة أنّه عاد.
ومع ذلك، لم أستطع أن أتذكّر متى رأيته آخر مرّة، ولا كم مرّةٍ مررتُ بالقفص قبل أن أجده ساكنًا.
توقّفت عند هذه الفكرة قليلًا، ثمّ صرفت انتباهي عنها. لم أحبّ الطريقة التي أخذت بها أفكاري تتشابك، ولا أريد أن أمنح كلمات أولئك الصغار أهميّةً لا تستحقّها.
أنا بخير؛ لا بدّ أنّني بخير. أبي لم يقل إنّ بي شيئًا، وإدوارد رغم سخريته التي لا تنتهي، لم يطلب منّي زيارة طبيب. ولو كان الأمر خطيرًا حقًّا، لأخبراني، أليس كذلك؟
لكنّني لم أكن واثقًا من أنّهما كانا يخبرانني بكلّ شيء.
ولم تعجبني هذه الفكرة أيضًا.
جلستُ على حافّة سريري، وأخذت أتأمّل كفّيّ طويلًا، كأنّهما قد تمنحانني إجابةً إن أحسنت النظر إليهما.
كان كلّ شيء يبدو عاديًّا؛ الغرفة، والنافذة، والستائر التي لم أرتّبها منذ الصباح. لم يكن هناك ما يدلّ على أنّ شيئًا قد تغيّر، ومع ذلك شعرتُ بأنّني أحتاج إلى سؤالٍ واحد، سؤالٍ بسيطٍ لا يتطلّب منّي تذكّر شيءٍ أو نسيانه، ولا يعتمد على ما يقوله الآخرون عنّي.
رفعتُ رأسي نحو المرآة. حدّقتُ في وجهي قليلًا، ثمّ أملتُ رأسي كما لو أنّني أحاول رؤية نفسي من زاويةٍ مختلفة. لم يكن في ملامحي ما يستدعي التأمّل طويلًا؛ عينان متعبتان، وشعرٌ لا يستقرّ على هيئةٍ واحدة مهما حاولتُ تسريحه، ووجهٌ أظنّ أنّه لا يشبهني تمامًا، وإن لم أستطع تحديد ما الذي أودّ تغييره فيه.
مددتُ يدي لأزيح خصلةً من شعري عن جبيني، ثمّ توقّفت.
كان هناك شيءٌ خاطئ.
لم تكن المرآة تعكسني.
ظللتُ أحدّق في سطحها لحظات، منتظرًا أن أرى وجهي يظهر في موضعه المعتاد، لكنّني لم أرَ سوى الحائط المقابل، بلونه الباهت وشقّه الرفيع الذي يمتدّ قرب الزاوية. قطّبتُ حاجبيّ، والتفتُّ إلى الخلف، فوجدتُ المرآة معلّقةً في مكانها، لا يميل بها شيءٌ ولا يحجبها شيء. عدتُ أنظر إليها، ثمّ رفعتُ يدي ببطء، كأنّني أختبر أمرًا بديهيًّا لا يحتاج إلى اختبار.
لا شيء.
اقتربتُ منها حتّى كدتُ ألمس سطحها بأنفي، لكنّ صورتي لم تظهر. وحين تراجعتُ خطوةً، وقعت عيناي على حافّتها الخشبيّة، فعرفتُ فجأةً لماذا بدا المشهد مألوفًا على نحوٍ مزعج.
لقد قلبتُ المرآة نحو الحائط.
تذكّرتُ ذلك الآن؛ كنت قد فعلتُها منذ أيّام، أو ربّما منذ أسابيع، لا أدري. كلّ ما أذكره أنّني لم أعد أحتمل رؤية وجهي كلّما مررتُ أمامها. كانت هناك أشياء صغيرة تزعجني فيه، أشياء لا يلاحظها الآخرون على الأرجح، لكنّني كنت أراها بوضوحٍ لا يتركني وشأني؛ انحناءةٌ لا تعجبني، وتفاوتٌ بين جانبي وجهي، ونظرةٌ في عينيّ تبدو لي غريبةً كلّما أطلتُ التحديق.
وكلّما حاولتُ العثور على وجهٍ أستطيع تقبّله، ازددتُ عجزًا عن النظر إليه.
لذلك أدرتُ المرآة نحو الحائط، وانتهى الأمر.
أو هكذا ظننتُ.
لكنّني، على ما يبدو، نسيتُ أنّني فعلتُ ذلك، ثمّ نسيتُ أنّني نسيتُه، حتى وقفتُ أمامها قبل قليل أبحث عن وجهٍ لم يكن من المفترض أن أراه أصلًا.
أطلقتُ ضحكةً قصيرة، جافّةً بعض الشيء، وحككتُ مؤخرة رأسي.
لا بدّ أنّني كنت متعبًا.
هذا كلّ ما في الأمر؛ فالتعب يجعل المرء شاردًا، والشخص الشارد ينسى أشياء سخيفة، كأن يقلب مرآةً ثمّ يتوقّع منها أن تعكس وجهه.
ومع ذلك، لم أمدّ يدي لأعيدها إلى موضعها.
كان في داخلي شيءٌ لا يرغب في رؤيتي، ولم أكن أعرف إن كان ذلك لأنّني لا أحبّ وجهي، أم لأنّني لا أحبّ ما قد أكتشفه إذا أطلتُ النظر إليه. وربّما لم يكن الأمر بهذا التعقيد كلّه؛ فلعلّني كنت صبيًّا غريب الأطوار فحسب، ينسى ما يفعله، ويضيق بملامحه أحيانًا، ثمّ يختلق لنفسه أسئلةً لا داعي لها.
نعم، لا بدّ أنّه كذلك.
أدرتُ ظهري للمرآة، واتّجهتُ نحو الباب، محاولًا ألّا أفكّر في الأمر أكثر. لكنّني، قبل أن أخرج، التفتُّ إليها مرّةً أخيرة.
ظلّت تواجه الحائط.
ابتلعتُ ريقي، وأطرقتُ برأسي، ثمّ خرج السؤال منّي هامسًا..
هل أنا مجنون؟