مالي_وطن_في_نجدبقلم الكاتبه صــمــتـ تحت الظلال فصل 2

عاصفة الأبعاد والعبور المكسور

دقيقتان قراءة · 380 كلمة

كانت المركبة القديمة التي استأجرتها العائلة تهتز بعنف على مشارف بوابة العبور البُعدي. خلفهم، كان ريفهم القديم يتلاشى في سديم النسيان بعد أن أغلقت السلطات المحلية -بتحريض من أعمامهم الجشعين- كل منافذ الطاقة عنهم. وأمامهم، كان الممر الكوني المؤدي إلى السعودية، إلى واحة نجد الرقمية المحصنة، يضطرب كبحرٍ هائج من الإشعاعات الزرقاء.

في كابينة الركاب المريحة، كانت الأم لارين تحتضن عبد العزيز الصغير الذي كان يصرخ هلعاً من ارتجاج المركبة، بينما كانت تالين متمسكة بمقعدها، وتصيح بأنانية فوق صوت المحركات: "بشار! افعل شيئاً! سيموت شعرنا وتسقط حقائبنا في الفراغ الكوني! لِمَ جئنا في هذه المركبة المتهالكة؟!".

كان الأخ الأكبر بشار يضغط على أزرار لوحة القيادة بعشوائية وعرق الخوف يتصبب من جبينه، ويصرخ: "المحرك البُعدي لا يستجيب! الشفرات معقدة والجاذبية تسحبنا للأسفل!".

وفي زاوية التحكم الخلفية المظلمة، كانت ديلان تجلس على الأرض الصلبة، محاطة بأسلاك مكشوفة وشاشات هولوغرامية تومض باللون الأحمر الخطير. يداها المتعبتان كانت تتحركان بسرعة الضوء، تعيد ربط الدوائر الكهربائية بذكائها الفذ وعقلها الذي يقرأ شفرات الكون. لم تكن ديلان تنظر إلى الخوف؛ كانت تقرأ الكارثة وتصنع لها حلاً بصمت.

التفت إليها بشار وصاح بقسوة: "ديلان! بدلاً من جلوسكِ صامتة كعادتكِ، تحركي وساعديني! ألا ترين أمكِ وأختكِ يموتون رعباً؟ إن حدث لهم شيء فالذنب ذنبكِ!".

لم تجبه ديلان بعتاب. كتمت غصتها من جحوده وهو يرى أصابعها تحترق مجدداً وهي تدمج طاقة جسدها الحيوية عبر خلايا المركبة لتسريع البرمجة. كانت تدرك أن عائلتها المكونة من خمسة أشخاص غيرها يملكون مقاعد مريحة، بينما مقعدها هو التضحية. بنقرة أخيرة، وبأعجوبة من عبقريتها الشاعرة والعالمة، انفتحت بوابة العبور واستقرت المركبة، لتندفع عبر نفق الضوء نحو نجد.

تنفست العائلة الصعداء. ارتمت تالين في حضن أمها لارين التي أخذت تقبلها وتقول: "الحمد لله على سلامتكِ يا تالين، وسلامة أخوانكِ بشار وعبد العزيز، لولا شجاعة بشار في القيادة لضعنا!". أما بشار، فقد اعتدل في مقعده بزهوٍ زائف، مسنداً ظهره دون أن يلتفت وراءه.

في الخلف، كانت ديلان تسند رأسها المتعب على جدار المركبة البارد. كانت قنوات طاقتها الجسدية تنزف بصمت بسبب الجهد البُعدي الذي بذلته لإنقاذهم، ونبضات قلبها تضطرب كإشارة مبكرة للنهاية التي تنتظرها. نظرت إلى شاشة الرؤية الأمامية، حيث بدأت رمال نجد الذهبية تلوح من خلال الغلاف الجوي المحصن، رمالٌ تشبه كبرياءها الباقي.

خبأت وجهها المتعب بين كفيها، وهمست في حشاها، شاعرةً منبوذة تحت الظلال:

مَالي وَطَن في نَجد إلّا وَطَنها

وَلَو قَسَت فِينَا الدِّيَار.. وَهَلهَا!

كانت الديار قد بدأت تتغير، لكن قسوة الأهل ظلت ثابتة، وديلان تسير في طريقها المرسوم، خطوة بخطوة، نحو التضحية الكبرى.