شفرات الأنانية وجمر الصمت
دقيقتان قراءة · 387 كلمة
كانت الأجهزة المتهالكة في بيتهم الريفي تصدر طنينًا متقطعاً، والظلم الذي مارسه الأعمام بعد غياب الأب تسبب في حظر إمدادات الطاقة والأمان عنهم، مما جعل الهجرة نحو السعودية -وتحديداً إلى واحة نجد المتطورة والمحصنة- خيارهم الوحيد للبقاء.
في غرفة المعيشة ذات الإضاءة الباهتة، جلست الأم لارين تمسح بجهاز التبريد اليدوي الصغير على جبين ابنتها الكبرى تالين، التي كانت تتذمر بدلال مفرط: "أمي! أنا لا أستطيع تحمل هذه الأجواء، غبار شحن المركبة يكتم أنفاسي! كما أن كبسولة ثيابي المخملية لم تُبرمج بعد! أين ديلان؟ لِمَ لا تأتي لترتب مقتنياتي؟".
لم تلتفت الأم لارين إلى زاوية المختبر المصغر في الغرفة، حيث كانت ديلان تقف برويد، يداها مجهدتان وجلد أصابعها يحمل آثار حروق طفيفة من إعادة برمجتها لمحركات الحقائب والمتاع الثقيل وحدها منذ الفجر لضمان سلامة الرحلة. صاحت الأم لارين بنبرة حادة: "ديلان! اتركي ما بيدكِ فوراً وتعالي رتبي حاجة أختكِ تالين، أنتِ معتادة على الجهد والشقاء، أما أختكِ فرقيقة لا تقوى على تعب الإعداد!".
كتمت ديلان غصتها، وتراجعت شاعريتها خطوة للوراء لتقودها عقلانيتها الفذة. هي القارئة التي تبحر في مجلدات الكون القديمة والحديثة، تدرك أن الشكوى لغير الله مذلة. تحاملت على ألمها وبدأت ترتب أشياء أختها بصمت.
في تلك الأثناء، دخل الأخ الصغير والمدلل عبد العزيز، حاملاً جهاز القراءة اللوحي الخاص بديلان، والذي تدون فيه قصائدها وشفراتها الخاصة، وكان يلوح به باستهتار: "يا أمي، سآخذ هذا اللوح معي في الطريق لأفرغ مساحته وأحمل عليه ألعابي ووسائلي الترفيهية، لا نحتاج إلى قصائد ديلان وكتاباتها الروائية في رحلتنا، فمخازن البيانات ضيقة والأولى بها أشيائي!".
نظرت ديلان إلى لوحها -أنيسها الوحيد ودفتر أشعارها الكونية- وهو يُسلب منها أمام عينيها، ليتدخل الأخ الأكبر بشار ويرمقها بنظرة جافة وحاسمة: "عبد العزيز معه حق، اتركي عنكِ أوهام القراءة والشعر يا ديلان، ركزي كل طاقتكِ الذهنية والجسدية في تأمين المركبة ومتاعنا. أمكِ وأختكِ وأخوكِ الصغير برقابنا، وعليكِ أن تكوني صلبة كـرجال البادية الشجعان، فالغربة عبر الأبعاد لا ترحم الرخوم!".
استسلمت ديلان للأمر، وتركت لوحها يُسلب من بين يديها. أخفت كفيها المتعبتين خلف ظهرها، ورسمت على ثغرها ابتسامة شموخ بدوية تهز أركان المكان. لم تبكِ، ولم تعاتب عائلتها التي تجتمع على راحتها وتترك لها العناء والمسؤولية الإعجازية. نظرت عبر النافذة نحو المدى البعيد، نحو نجد الشامخة بكبريائها، وقالت في حشاها بصوتٍ صامت:
مَالي وَطَن في نَجد إلّا وَطَنها
وَلَو قَسَت فِينَا الدِّيَار.. وَهَلهَا!
كانت ديلان تدرك تماماً أنها تسير نحو بئرٍ جديدة ونارٍ أخرى أشعلتها أنانية ذويها.. لكنها اختارت بكبرياء الشاعرة وعقلية العالمة "تحت الظلال" أن تكون هي السند الصامد الذي يقود هذه العائلة نحو الأمان