كلمة لم تستطع نسيانها
3 دقائق قراءة · 534 كلمة
لم تكن الكلمة قاسية إلى ذلك الحد.
على الأقل، هذا ما حاولت أن تقوله لنفسك في البداية.
حدث الأمر في يوم عادي، في مكان عادي، وبين أشخاص ربما لن يتذكروا ما قيل بعد فترة قصيرة. كانت جملة عابرة، قيلت ثم انتقل الحديث إلى شيء آخر، وكأنها لم تكن أكثر من لحظة صغيرة مرت بين لحظات كثيرة.
لكنها بقيت معك.
لم تعرف لماذا أخذت مكانًا أكبر مما تستحق داخل رأسك. كلما تذكرتها، وجدت نفسك تعود إلى اللحظة نفسها، إلى نبرة الصوت، إلى النظرة التي رافقتها، وحتى إلى الصمت الذي جاء بعدها.
في المرة الأولى قلت: ربما لم يقصدها.
وفي الثانية قلت: لكنه كان يستطيع أن يقولها بطريقة أفضل.
وفي الثالثة بدأت تسأل نفسك سؤالًا مختلفًا:
ماذا لو كان يقصد فعلًا ما فهمته؟
ومن هنا بدأ الأمر يكبر.
لم تعد تفكر في الكلمة وحدها، بل في كل ما يمكن أن تكون قد أخفته خلفها. بدأت تجمع تفاصيل قديمة، مواقف متفرقة، نظرات لم تكن متأكدًا منها أصلًا، ثم وضعتها كلها أمامك وكأنك تحقق في قضية لا بد أن تصل فيها إلى الحقيقة.
ومع كل محاولة للفهم، أصبحت أبعد عن الراحة.
الغريب أنك لم تكن تعرف حتى إن كان الشخص الآخر قد عاد إلى بيته وفكر فيما قال.
ربما لم يفكر.
ربما نسي.
ربما كان يتحدث دون أن ينتبه إلى أثر كلماته.
لكن عقلك لم يسمح لهذه الاحتمالات أن تهدئك.
كنت أنت من يحمل الموقف بعد أن غادر الجميع.
وهنا بدأت تكتشف شيئًا لم تكن تراه بوضوح من قبل: أحيانًا لا يؤلمنا ما حدث فقط، بل ما نضيفه إليه بعد أن ينتهي.
نأخذ لحظة صغيرة ونمنحها ساعات من التفكير.
نأخذ جملة واحدة ونبني حولها قصة كاملة.
نأخذ نظرة لا نعرف معناها ونقرر أنها تحمل حكمًا علينا.
ثم نصدق القصة التي صنعناها بأيدينا.
ولأنك كنت تريد أن تعرف الحقيقة، لم تتوقف.
عدت إلى ذاكرتك مرة أخرى.
تذكرت موقفًا آخر من سنوات مضت، شخصًا قال لك شيئًا مشابهًا، موقفًا شعرت فيه أنك لم تكن كافيًا، أو أنك لم تُفهم كما أردت.
فجأة، لم تعد أمام كلمة واحدة.
أصبحت أمام سنوات من التفاصيل التي ظننت أنك تجاوزتها.
وهنا شعرت بثقل مختلف.
ليس ثقل ما حدث اليوم، بل ثقل كل ما كنت تحمله دون أن تنتبه.
جلست وحدك، وأدركت أن بعض الأشياء لا تبقى في الذاكرة لأنها كبيرة، بل لأنها لم تجد لحظة حقيقية تنتهي فيها.
ربما كنت تريد اعتذارًا لم يأتِ.
وربما كنت تنتظر تفسيرًا لم يقدمه أحد.
وربما كنت تريد فقط أن يعرف الطرف الآخر أنه آذاك.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا هذه النهايات المرتبة.
هناك أشخاص لن يعتذروا.
وأشخاص لن يفهموا ما فعلوه بك.
وأحاديث ستنتهي قبل أن تقول الجملة التي كنت تتمنى قولها.
وفي وقت ما، يصبح السؤال مختلفًا.
ليس: لماذا فعل ذلك؟
بل: إلى متى سأبقى أنا أدفع ثمن شيء انتهى بالنسبة لغيري؟
لم تجد جوابًا سريعًا.
ولم يكن مطلوبًا منك أن تجده.
لأنك بدأت تفهم أن التحرر من بعض الذكريات لا يعني أن تقول إنها لم تؤلمك، ولا أن تبرر لمن آذاك، ولا أن تتظاهر بأنك نسيت.
يعني فقط أن تتوقف عن إعطاء الماضي حق الدخول إلى كل يوم جديد.
في تلك الليلة، تذكرت الكلمة مرة أخرى.
لكن شيئًا كان قد تغير.
لم تعد تسأل ماذا كان يقصد بها.
سألت نفسك سؤالًا آخر:
هل ما زلت تريد أن تعيش بقية حياتك حولها؟
ولأول مرة، لم تكن الإجابة واضحة.
لكنها لم تكن بحاجة إلى أن تكون واضحة.
يكفي أنك بدأت تسأل السؤال الصحيح.
لأن بعض الأبواب لا تُغلق عندما نفهم ما حدث خلفها، بل عندما ندرك أننا لسنا مضطرين إلى الوقوف أمامها إلى الأبد.
ومع ذلك، لم تكن تعرف أن هناك أبوابًا أقدم من تلك الكلمة بكثير...
أبوابًا ظننت أنك أغلقتها منذ سنوات، بينما كانت تنتظر فقط لحظة هدوئك لتفتح من جديد.