حين يهدأ كل شيء
4 دقائق قراءة · 605 كلمة
في آخر الليل، حين تنطفئ الأصوات من حولك، تكتشف أحيانًا أن أكثر مكان ضجيجًا ليس الشارع، ولا البيت، ولا العالم من حولك... بل رأسك.
تضع هاتفك جانبًا، تطفئ الضوء، وتسحب الغطاء نحوك. تنظر إلى السقف للحظات، ثم تغلق عينيك وأنت تظن أن يومك انتهى. لكن شيئًا في داخلك لم ينتهِ بعد.
تتذكر موقفًا حدث منذ أيام. كلمة قيلت أمامك وانتهى الحديث بعدها بثوانٍ، لكنها لم تنتهِ داخلك. تعيدها مرة، ثم تبحث عن معنى آخر لها، ثم تسأل نفسك لماذا قيلت بهذه الطريقة، وهل كان خلفها شيء لم تنتبه إليه.
تفتح عينيك.
تحاول أن تفكر في شيء آخر، فينتقل عقلك إلى أمر مختلف تمامًا. موعد الغد، مسؤولية مؤجلة، شخص لم يرد على رسالتك، قرار لم تحسمه، أو شيء لا تعرف حتى لماذا عاد إلى ذاكرتك الآن.
تتنفس ببطء، وتقول لنفسك: غدًا أفكر في كل هذا.
لكن عقلك لا يبدو مقتنعًا.
وكأن داخلك يعتقد أن النوم خسارة، وأن عليك أن تجد جوابًا لكل شيء قبل أن تسمح لنفسك بالراحة.
تمر الدقائق.
ولا يحدث شيء في الخارج.
ومع ذلك، تشعر أنك قطعت مسافة طويلة وأنت مستلقٍ في مكانك.
في تلك اللحظات، لا تكون متعبًا من يومك فقط. تكون متعبًا من الأشياء التي حملتها معك إليه، من الأسئلة التي لم تجد لها مكانًا، ومن الاحتمالات التي صنعتها في رأسك ثم بدأت تخاف منها كأنها حدثت فعلًا.
وربما أكثر ما يرهقك أنك تريد أن تطمئن قبل أن تنام.
تريد أن تعرف ماذا سيحدث غدًا، وكيف ستنتهي المشكلة، وماذا يفكر الآخرون بك، وهل القرار الذي اتخذته كان صحيحًا، وهل ما تخاف منه سيحدث أم لا.
تريد ضمانًا للحياة.
والحياة لا تعطيك ضمانًا.
لهذا تظل مستيقظًا أحيانًا، ليس لأن هناك شيئًا يحدث، بل لأنك تحاول أن تمنع شيئًا قد يحدث.
وفي الصباح، تستيقظ وكأنك لم تنم.
تنهض من سريرك، تبدأ يومك، وتفعل ما اعتدت فعله. قد تبتسم، تتحدث، تعمل، تجيب عن الأسئلة، وربما يراك أحدهم ويقول لك إنك تبدو بخير.
فتقول: أنا بخير.
وتكمل طريقك.
ليس لأنك تكذب، بل لأنك في بعض الأيام لا تعرف كيف تشرح ما يحدث داخلك.
كيف تشرح لشخص أن شيئًا لم يحدث، ومع ذلك أنت متعب؟
كيف تقول إنك لم تبكِ، ولم تخسر أحدًا، ولم يقع شيء كبير، لكنك تشعر بثقل لا تعرف من أين جاء؟
لهذا تصمت.
ومع الوقت، قد تعتاد هذا الصمت حتى تنسى أنك كنت تحتاج يومًا إلى أن يسمعك أحد.
لكن هناك شيء آخر لا تنتبه إليه بسهولة.
أنك طوال الوقت تحاول أن تصل إلى لحظة تشعر فيها أن كل شيء أصبح على ما يرام.
تقول: عندما تنتهي هذه المشكلة سأرتاح.
ثم تنتهي.
فتظهر أخرى.
تقول: عندما أطمئن على هذا الأمر سأرتاح.
ثم يأتي أمر جديد.
تقول: عندما أفهم لماذا حدث ذلك سأرتاح.
ثم تكتشف أن بعض الأشياء لا تملك تفسيرًا كاملًا.
وهكذا تمضي الأيام، وأنت تؤجل راحتك إلى وقت لا يصل.
ربما لهذا السبب لم تكن المشكلة دائمًا في كثرة ما يحدث حولك، بل في أنك لم تمنح نفسك فرصة لتعيش ما يحدث دون أن تحمله كله دفعة واحدة.
ليس مطلوبًا منك أن تعرف الليلة كيف ستنتهي كل الحكايات.
ولا أن تجد جوابًا لكل سؤال.
ولا أن تصلح كل ما انكسر.
بعض الأشياء تحتاج منك خطوة، وبعضها يحتاج وقتًا، وبعضها لا يحتاج منك شيئًا الآن.
لكن عقلك لا يحب كلمة «الآن».
يريد النهاية.
يريد اليقين.
يريد أن يعرف.
وأنت، بين رغبتك في الاطمئنان وعجزك عن معرفة ما سيأتي، تنسى الشيء الوحيد الموجود فعلًا أمامك.
هذه اللحظة.
قد تكون جالسًا الآن، أو مستلقيًا، أو تقرأ هذه الكلمات في مكان لا يعرف أحد أنك فيه. ربما مرّ يومك بشكل عادي، وربما كان أثقل مما أظهرت للآخرين.
لكن، مهما كان يومك، هناك شيء واحد لم تنتبه إليه بعد.
أنك لا تحتاج الليلة إلى حل حياتك كلها.
يكفي أن تتوقف قليلًا عن محاكمتها.
اترك اليوم في مكانه.
ما حدث، حدث.
وما لم يحدث بعد، لم يحدث.
أما أنت، فأنت هنا.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، ربما لا تحتاج أن تفعل شيئًا سوى أن تبقى هنا... دون أن تهرب إلى الأمس، ودون أن تركض نحو الغد.
لأن الحكاية التي ستبدأ من هذه اللحظة ليست عن التخلص من كل ما يؤلمك.
بل عن شيء أعمق بكثير...
أن تتعلم كيف تعيش، حتى عندما لا تكون الحياة هادئة.