رسالة من شقة مغلقة
5 دقائق قراءة · 873 كلمة
بدأ الصباح بملف أُغلق في وجه ريم الحداد، وانتهى بظرف لا يحمل اسم مُرسِل. لم تكن هذه مصادفة تصلح لأن تقنع بها نفسها. كانت موظفة الأرشيف تعرف أن الأوراق قد تضيع في الدوائر، لكن أحدًا يحتاج إلى قصدٍ كي يوصل رسالة بخطّ يذكّرها بخط يد شقيقتها التي اختفت قبل سبعة وعشرين عامًا. على وجه الظرف كُتب «ريم» بحروف متباعدة، وعلى حافته أثر قطرة جافة تركت دائرة صغيرة، كأن الرسالة انتُزعت للتو من ماء قديم.
قبل وصول الظرف بعشر دقائق تعطّل نظام الأرشفة الإلكتروني. ظهر على شاشة ريم سطر واحد: «السجل ٧: مؤجّل». ضغطت زر التحديث، فانطفأت الشاشة ثم عادت بالعبارة ذاتها. التقطت صورة، لكن الصورة المحفوظة على الهاتف أظهرت صفحة بيضاء. جرّبت ثانية، فعاد السطر إلى مكانه بعد أن حُذف من الواجهة. بحثت في سجل الأعطال فلم تجد رقم معاملة ولا اسم موظف بدأ الطلب.
أغلقت ريم النافذة دون أن تنادي سلمى. كانت تكره المصادفات التي تصرخ طالبةً التفسير؛ فقد قضت طفولتها بين رجال يكثرون من الفروض ولا يجيبون عن سؤال واحد. كتبت «السجل ٧» في مفكرتها، إلى جوار الحليب والدواء والبطاريات، وفوجئت بأن يدها أضافت تحته أربع نقاط صغيرة تفصلها مسافات متساوية.
في الظرف مفتاح نحاسي ثقيل، وقصاصة ورق خُطّت عليها جملة واحدة: «إذا سمعتِ أحدًا يناديكِ باسمكِ القديم، فلا تفتحي الباب». وفي الأسفل عنوان مقتضب: «برج رقم ٧، الساعة ٣:١٧». لم تكن القصاصة موقّعة؛ كانت الحروف في نهايتها مضغوطة كأن الكاتب تعجّل قبل أن يأتيه من وراءه أحد.
قلبت القصاصة. لم تجد شيئًا. أعادت قراءتها، ثم وضعت المفتاح على راحة يدها. كان باردًا برغم حرارة المكتب. الاسم القديم؟ لم ينادها به أحد منذ رحلت أمها. «ريما» كانت أمها تقول، تمد الألف الأخيرة لتصبح أغنية قصيرة. حتى مريم، أختها الكبرى، كانت تسخر من الاسم وتقول إنه يصلح لبطلة مسلسل، لا لطفلة تخاف من الظلام.
قبل سبعة وعشرين عامًا اختفت مريم. كان عمرها ستة عشر عامًا، وعمر ريم تسع سنوات. في تلك الليلة هطل مطر جعل الحيّ الشرقي من عمّان سلسلة من الأبواب المغلقة والسيارات المعطلة. خرجت مريم لتساعد العائلات التي احتمت بمخزن البلدية في آخر الشارع، ثم لم تعد. قالت الشرطة إن سجلات الإيواء لا تحمل اسمها. قال بعض الجيران إنهم رأوها تركض نحو الحافلات، وقال آخرون إنهم شاهدوها تتجه إلى الوادي. بعد أشهر صارت الحكايات أكثر من الحقائق، فاختارت الأسرة الصمت لأن الصمت، على الأقل، لا يبدل روايته كل يوم.
أدخلت ريم المفتاح في درجها وأغلقته. ثم فتحته ثانية. منذ أعوام وهي تقضي وقتها في ترتيب الوثائق المبتلة، والشهادات الناقصة، والخرائط التي لا تطابق الشوارع. تعلمت أن الورق لا يكذب وحده؛ يحتاج دائمًا إلى يد تضعه في الملف الخطأ.
«مالك ساكتة؟» سألتها سلمى، زميلتها التي تعرف من نظرة واحدة متى تريد ريم القهوة ومتى تريد أن تُترك وشأنها.
أشارت ريم إلى القصاصة. قرأتها سلمى ورفعت حاجبيها. «برج رقم سبعة؟ هذا في مشروع السرو القديم. نصف الشقق هناك فاضية، والبلدية طالبة إخلاءه للترميم».
«شو كان قبله؟»
«قبله؟» فتشت سلمى في ذاكرتها. «أظن مستودع. إذا بدك المخططات بجيب ملف المشروع».
لم تقل ريم إن تلك الليلة كانت آخر مرة سمعت فيها صوت مريم واضحًا. لم تقل أيضًا إنها حلمت الأسبوع الماضي بمصعد يفتح على ممر طويل تعوم فيه أوراق بيضاء، وبامرأة واقفة في آخره لا تلتفت مهما نادتها. كان من السهل تفسير الحلم؛ الأرشيف يدخل في نومها كما يدخل الغبار إلى ثيابها. لكن المفتاح لم يكن حلمًا.
عند الظهيرة حملت سلمى ملفًا أزرق. كان برج رقم ٧ واحدًا من اثني عشر برجًا أُقيمت فوق أرض رُدمت بعد الفيضان بسنوات. واجهته إسمنتية، وشرفاته ضيقة، وعلى مخططه ستة طوابق سكنية فوق الطابق الأرضي، ثم طابق ثامن يحتوي خزانات المياه وغرف الصيانة. توقفت ريم عند الأرقام.
«والسابع؟» سألت.
أخذت سلمى المسطرة وتتبعت الارتفاعات. «مستحيل. يمكن ترقيم غلط».
بين السادسة والثامنة فراغ مستطيل مساحته مساحة طابق كامل. لم يكتب المهندس عليه «خدمات» ولا «مستودع». كان أبيض تمامًا، باستثناء خط رصاص خفيف عند حافته، بدا لريم كأثر باب مُحي على عجل.
رفعت ريم الورقة أمام النافذة. حين اخترقها الضوء ظهرت تحت البياض طبعة خافتة لختم مستطيل، لا يُقرأ منه إلا الرقم «٦» وحرفان يشبهان «حف». قرّبت سلمى عدسة هاتفها، فاختفت العلامة في الصورة. قالت ريم إنها ربما بقايا ختم على الورقة التي كانت تعلو المخطط في الدرج. احتفظت بالاحتمالين؛ كان ذلك أسهل من قبول أن وثيقة قديمة تعرف شيئًا لم يخبرها به أحد بعد.
في الخامسة خرجت من الدائرة. مرت بالبقالة التي كانت أمها تشتري منها البرتقال، فرأت صناديق الفاكهة متراكمة تحت غطاء بلاستيكي. تذكرت يدي أمها وهي تقشر ثمرة طويلة القشرة، لكنها لم تتذكر رائحتها. تجاهلت ذلك. أحيانًا تخون الذاكرة في الأشياء الصغيرة، كي نوهم أنفسنا أنها أمينة في الأشياء الكبيرة.
وصلت إلى حي السرو عند الغروب. كان برج رقم ٧ أضيق مما ظهر في الصورة وأعلى مما ينبغي لشارع بهذه الضآلة. اللون الأصفر الذي طُلي به قديمًا انقلب إلى رمادي مغبر، والنوافذ المظلمة تتكرر بنظام صارم، إلا نافذة واحدة في منتصف الواجهة: خلفها ضوء خافت، مع أن الطابق الذي تقع فيه غير موجود على المخطط.
وقفت عند الباب الخارجي. على لوح معدني مخلوع البراغي قرأت: «برج رقم ٧». وتحته، محفورًا بمسمار لا بقلم: «كل من خرج ترك اسمًا».
لم تكن الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة. ومع ذلك سمعت من داخل البرج ثلاثة طرقات بطيئة، ثم صوتًا يعرف كيف يناديها باسم لم تسمعه منذ الطفولة:
«ريما».
في الشارع المواجه للبرج توقف ضوء في نافذة لا يفترض وجودها. ثم انبعث من هاتف ريم، وهو مغلق، رنين قصير واحد. عندما أضاءت الشاشة لم تجد مكالمة فائتة. وجدت تنبيهًا من تطبيق الأرشيف يقول: «تم فتح ملفكِ بنجاح».
لم تكن تملك ملفًا في ذلك النظام باسمها، سوى ملفها الوظيفي. وما ظهر على الشاشة لم يحمل الرقم الوطني ولا الرقم الوظيفي. حمل رقمًا واحدًا: ٧.