برج رقم ٧: دفتر الغائبينبقلم ما وراء الحكاية فصل 1

الدقيقة التي لم تنقضِ

4 دقائق قراءة · 759 كلمة

في الصباح انتظرت ريم عند باب الأرشيف قبل الدوام بربع ساعة. أعطت سلمى صورة المخطط وطلبت جميع سجلات الإيواء والتوريد من ليلة الفيضان قبل سبعة وعشرين عامًا. لم تسألها سلمى لماذا. كانت تعرف أن الناس الذين يطلبون أوراقًا قديمة لا يبحثون دائمًا عن أوراق.

في غرفة الملفات المهددة بالتلف، وجدت سلمى صندوقًا لا يتبع فهرس المستودع. كانت عليه لصاقة تحمل حروفًا مطموسة ورقمًا بقي واضحًا: ٧. داخل الصندوق أوراق مكررة عن أعطال المصاعد، وجداول انتظار لحافلات الإجلاء، وكراسة لا تذكر اسم الجهة التي أعدتها. على غلاف الكراسة علامة مثقوبة من أربع نقاط، ثم ثلاث؛ وحين وضعتها ريم أمام الضوء بدا الثقب مثل نافذتين فوق بعضهما.

قالت سلمى: «هاي مش وثيقة ملكنا. يمكن دخلت مع ملفات الصيانة بالغلط».

أرادت ريم أن توافقها. لكن الصفحة الأخيرة من الكراسة حملت خانة «جهة الحفظ»، وتحتها توقيعًا يشبه توقيع والدها محمود، ثم كلمة مشطوبة بعناية لا تكفي لمحو آثار الحروف: «الأصل». لم تتذكر ريم قط أن أباها عمل موظفًا في الأرشيف. كان سائقًا يكره المكاتب، ويتجنب التوقيع حتى على فواتير البيت.

استغرق البحث ثلاث ساعات. ظهرت فواتير بطانيات، وقوائم حافلات، وطلب تعويض عن باب حديدي تضرر بالمياه. في دفتر الحركة سجلت أربعون عائلة أُجلِيت من الوادي، لكن ملف القاعة الملحقة بالمستودع لم يحمل إلا ستة أسماء مصابين نقلوا إلى مستشفى قريب. بعد الصفحة السادسة عشر ورقة مقصوصة من جهة التجليد، تركت أليافها في الخياطة. لم تكن الصفحة ضائعة بفعل الماء؛ أزيلت بسكين.

«كيف عرفتِ أنها مقصوصة؟» سألت سلمى.

«شوفي أثر الحافة. الورق اللي تمزق من البلل ما بترك خط مستقيم».

على الغلاف الداخلي توقيع «كمال الداود، مسؤول الاستلام». وهو الاسم نفسه المكتوب تحت مخطط ردم المستودع قبل إنشاء البرج. كان كمال يومها مهندسًا شابًا في لجنة الطوارئ، ثم أصبح لاحقًا مديرًا لشركة البناء التي اشترت الأرض.

اتصلت ريم بيزن وسألته إن كان يعرفه. سكت لثوانٍ ثم قال: «بعرفه أكثر مما بتتخيلي. كان شريك أبوي».

التقيا بعد العصر في مقهى صغير قرب الدائرة. جاء يزن بحقيبة أباه القديمة وفيها دفتر مربعات تكسرت زاويته. كان الأب قد مات قبل عشر سنوات، وترك في الدفتر مقاطع رسم غير مفهومة وقائمة طويلة من الأرقام.

«أنا اشتغلت هندسة لأنه كان يقول لي إن المبنى الجيد ما بترك حدا عالق جوّاه»، قال يزن. «بعدين كبرت وعرفت إنه كان يكرر الجملة وهو خايف من شغلة، مش وهو فخور فيها».

فتح الدفتر عند صفحة عليها رسم مقطع من برج رقم ٧. بين الطابقين السادس والثامن ممر خدمة مغلق بجدار مزدوج. كتب الأب في الهامش: «لا تُملأ الفجوة. يجب أن يبقى منفذ للهواء». وبقلم مختلف أُضيف لاحقًا: «بناءً على تعليمات ك.د، أُغلق المنفذ».

«ليش يقفلوا منفذ هواء؟»

«ما بعرف. بس هاد مش تعديل عادي. في خرسانة منصبّة حول فراغ قديم، كأنهم بنوا البرج فوق ذنب وبعدين حاولوا يغلفوه».

لم تكن ريم تميل إلى تصديق العبارات الكبيرة. وضعت الدفتر جانبًا وسألته عما يستطيع إثباته. قال إن قياس الارتفاع من الخارج يثبت وجود فراغ مادي، وإن تحليل مواد البناء سيحدد متى أُغلق. أما حكاية الممر الذي رأته فقد ظل ينظر إليها بصمت حتى انتهت.

«بتصدقني؟»

«بصدق إنك شفتي إشي. وبصدق إن الورق ناقص. أما المصعد اللي بيفتح على قاعة من الماضي، إذا بدي أصدقه لازم أروح معك».

ضحكت ضحكة قصيرة لم تُشبه الفرح. «ما أنصحك».

عندما عادت إلى المكتب، وجدت سلمى واقفة قرب آلة النسخ. كانت تحمل ملفًا بنّيًا أُخرج من درج لا يُفتح إلا بمفتاح المدير. «إشي لازم تشوفيه قبل ما يرجع المسؤول»، همست.

كان الملف طلب شطب «مرفق الإيواء رقم ٧» من سجل الأملاك العامة. في خانة سبب الشطب كُتب: «تلف كامل، لا توجد موجودات بشرية أو وثائق تستحق الحفظ». وتحتها توقيع كمال وتوقيع ثانٍ مخفي بطابع الحبر.

مرّ فوق قلب ريم برد حاد. على هامش الطلب، بخط أصغر من خط الموظف، وُضعت ملاحظة: «اعترض محمود الحداد على العدد. يُرجى عدم اعتماد إفادته لحين المطابقة».

محمود الحداد كان أبوها. الرجل الذي مات وهو يصر، في كل ذكرى سنوية، أن مريم لم تهرب من البيت، وأن بابًا ما أغلق عليها مع آخرين.

رفعت ريم عينيها إلى سلمى. «كان أبوي موجود هناك».

«والظاهر إنه حكى»، أجابت سلمى. «بس حدا قرر إن كلامه ما يدخل السجل».

لم تبكِ ريم. أمسكت بالهاتف وصورت الصفحة. للمرة الأولى منذ سنوات لم يكن الحزن وحده في صدرها. صار له شكل عمل يجب إنجازه، وأسماء أشخاص يمكن مساءلتهم، وخطوة تالية لا تحتاج حلمًا لتبريرها.

الوثيقة الأولى | قائمة لم تكتمل

مقتطف من سجل إيواء قديم، محفوظ بصورة غير مؤكدة المصدر:

«الساعة ٢:٤٨. عدد القادمين: ١٩. لا تُضاف أسماء المتطوعين إلى قوائم العائلات. تُنقل الأسماء عند إتمام الإجلاء فقط. يُرجى عدم ترك أي حقل فارغ عند تسليم السجل».

ثم تعليق بخط مختلف: «والذي يدخل بعد آخر حافلة؟».

تحت التعليق ختم مستطيل: «أعيد إلى المصدر».

لم تعرف ريم من كتب السؤال، لكنها تعلّمت أن جملة واحدة في الهامش قد تقول عن المؤسسة أكثر مما تقول كل صفحاتها الرسمية. لم يكن السؤال في الوثيقة دليلًا على وجود مريم، لكنه أثبت أن أحدًا تنبّه إلى الثغرة قبل أن تتحول إلى سبعة وعشرين عامًا من الغياب.