بين السطوربقلم صدى القارئ فصل 2

إشارات التحذير

دقيقتان قراءة · 334 كلمة

الفضول لم يعد كما كان.

في البداية، كان خفيفًا، مجرد فكرة تمرّ وتختفي، لكن الآن… صار أوضح، أقرب، وأكثر إلحاحًا. كل سؤال يفتح بابًا جديدًا، وكل باب يقود إلى آخر، وأنت تقف في المنتصف، لا تتقدم تمامًا ولا تستطيع التراجع.

القلب بدأ يدق بطريقة مختلفة، والعقل لم يعد هادئًا كما كان. فكرة صغيرة تتكرر: ربما لا يجب أن أعرف. لكنها لا تبقى وحدها، بل تتبعها أخرى، ثم أخرى، حتى يصبح التردد نفسه جزءًا من التفكير.

بدأت ترى الناس من حولك بشكل مختلف. لم تعد تمرّ تفاصيلهم كما كانت. كل حركة، كل كلمة، وحتى الصمت… صار يحمل احتمالًا، وكأن هناك شيئًا خلف ما يظهر، شيئًا لم تكن تلاحظه من قبل.

سألت نفسك أكثر من مرة: لماذا أنا مهتم بهذا؟

لكن السؤال لم يكن يبحث عن جواب، بل كان يفتح أسئلة أخرى.

كل محاولة للفهم كانت تحمل معها توترًا خفيفًا، قشعريرة صغيرة، وإحساسًا غير مريح بالمسؤولية. لم يعد الأمر مجرد رغبة في المعرفة، بل شعور بأن ما ستعرفه قد يغيّر شيئًا… وربما لا يمكن التراجع عنه.

الفضول أصبح أثقل.

لم يعد مجرد دافع داخلي، بل ضغط مستمر، يرافقك حتى في لحظات الهدوء. كل فكرة جديدة كانت تحرّك شيئًا بداخلك، وكل احتمال كان يضيف وزنًا آخر لا تستطيع تجاهله.

بدأت تشعر أنك تغرق، لكن ليس في أحداث خارجية، ولا في كلام الآخرين… بل داخل عقلك. داخل كل محاولة للفهم، داخل كل شعور بالقلق، وكل رغبة في أن ترى الصورة كاملة.

الوعي أصبح حادًا أكثر من اللازم.

لم يعد يسمح لك أن تتجاهل، ولا أن تمرّ الأمور دون تفكير. كل شيء صار واضحًا… وربما أوضح مما يجب.

وهنا بدأ الصراع يظهر.

جزء داخلك يقول: توقف، قبل أن تدخل أكثر.

وجزء آخر يدفعك: لا يمكن أن تترك الأمر هكذا، يجب أن تعرف.

لم يكن أيّ منهما أقوى، لكن كلاهما كان حاضرًا، يضغط، يشدّ، ويتركك في المنتصف.

القلب يسرع، الأفكار تتداخل، وكل شعور بداخلك يتحرك بلا ترتيب. موجة بعد موجة، حتى يصبح الصمت نفسه مليئًا بالضجيج.

وفي لحظة هدوء قصيرة، أدركت شيئًا لم يكن واضحًا من قبل:

الفضول لم يعد خيارًا.

صار مسؤولية…

وكل خطوة بعدها، لن تكون كما قبلها.