بين سجده ودمعهبقلم الكاتبه صــمــتـ تحت الظلال فصل 2

دموع الانتظار

3 دقائق قراءة · 562 كلمة

ليس كل الألم في البدايات…

بعضه يأتي لاحقًا،

حين تظن أنك فعلت كل ما عليك،

ودعوت بما يكفي،

وبكيت بما يكفي…

لكن لا شيء تغيّر.

الانتظار…

هو المرحلة التي لا يتحدث عنها أحد كثيرًا،

رغم أنها الأطول،

والأثقل،

والأكثر صمتًا.

بعد السجدة الأولى،

تشعر بشيء من الراحة،

كأنك وضعت جزءًا من حملك.

تقوم…

وتقول في نفسك:

"الآن سيحدث شيء."

تمر ساعة…

يوم…

أيام…

ولا يحدث شيء.

في البداية، تقنع نفسك:

"ربما لم يحن الوقت بعد."

ثم تنتظر أكثر.

وهنا تبدأ الأسئلة.

هل سُمع دعائي؟

هل أخطأت في شيء؟

هل أنا غير مستحق؟

أم أن الله يؤخرني لسبب لا أفهمه؟

هذه الأسئلة لا تأتي دفعة واحدة…

بل تتسلل بهدوء،

وتجلس في داخلك،

وتبدأ بمضايقتك في كل لحظة صمت.

تحاول أن تبقى قويًا،

أن تتمسك بما تعرفه:

أن الله لا ينسى،

أن الله يسمع،

أن الله قريب.

لكن قلبك…

يريد أن يرى.

يريد علامة،

إشارة،

أي شيء يقول له:

"أنا هنا… دعاؤك لم يذهب سدى."

وهنا تبدأ دموع الانتظار.

ليست مثل الدموع الأولى.

الدموع الأولى كانت انفجارًا…

أما هذه… فهي هادئة.

تنزل وأنت ساكت.

بدون صوت.

بدون حتى أن تفهم لماذا تبكي الآن.

تبكي لأنك تعبت من التماسك،

تعبت من محاولة الإيمان بنفس القوة،

تعبت من الإجابات التي لا تأتي.

وهنا يحدث صراع داخلي…

صراع لا يراه أحد.

جزء منك يقول:

"استمر… الله معك."

وجزء آخر يهمس:

"إلى متى؟"

تحاول أن تُسكت هذا الصوت…

لكنّه يعود.

ليس لأنه ضعيف…

بل لأنه إنسان.

الانتظار ليس فراغًا كما نظن،

بل امتلاء…

امتلاء بالأسئلة،

بالتفكير،

بالتعب،

وبالأمل الذي يحاول أن يبقى حيًا.

في هذه المرحلة،

تتعلم شيئًا صعبًا جدًا:

أن تؤمن…

حتى عندما لا ترى.

أن تدعو…

حتى عندما تشعر أن الكلمات تتكرر.

أن تبكي…

ثم تعود وتقول: "يا رب" مرة أخرى.

وهذا ليس سهلًا.

أبدًا.

في بعض الأيام،

تشعر أنك قريب جدًا من الله.

وفي أيام أخرى،

تشعر وكأن المسافة طويلة.

لكن الحقيقة التي لا نراها:

أن الله لا يبتعد…

نحن فقط نتعب في الطريق.

وهنا…

يظهر الصبر.

ليس الصبر الذي نتكلم عنه بسهولة،

بل الصبر الحقيقي.

الصبر الذي يعني:

أن تستمر رغم أنك لا تفهم.

أن تثق رغم أنك متعب.

أن لا تترك الدعاء…

حتى لو شعرت أنه لم يُستجب بعد.

الصبر ليس أن لا تبكي…

بل أن تبكي،

ثم تعود.

تسجد مرة أخرى،

بنفس القلب،

أو بقلب أثقل…

لكنك تعود.

وفي كل مرة تعود فيها،

يحدث شيء لا تلاحظه فورًا…

قلبك يتغير.

تصبح أهدأ قليلًا،

أعمق،

أقرب…

حتى لو لم تختفِ مشاكلك.

تبدأ تفهم أن الدعاء ليس صفقة:

"أنا أدعو… إذًا يجب أن يحدث الآن."

بل هو علاقة…

علاقة تحتاج وقت،

وصبر،

وثقة.

وفي وسط هذا الانتظار،

قد لا تحصل على ما طلبت…

لكن تحصل على شيء آخر:

قوة.

قوة لم تكن تعرف أنك تملكها.

قدرة على التحمل،

على الاستمرار،

على النهوض كل مرة.

وهنا تبدأ تلاحظ شيئًا صغيرًا:

أنك رغم كل هذا…

ما زلت تدعو.

وهذا بحد ذاته…

معجزة.

لأن القلب الذي فقد الأمل تمامًا،

لا يدعو.

لكن قلبك…

ما زال يرفع يديه،

حتى وهو متعب.

وهذا يعني…

أن هناك نورًا لم ينطفئ.

دموع الانتظار ليست ضعفًا،

بل دليل أنك ما زلت تحاول،

ما زلت تؤمن،

حتى لو كان إيمانك متعبًا.

وفي لحظة هدوء…

بين دمعة وأخرى،

تدرك شيئًا مهمًا:

أن الله لا يختبرك ليكسر قلبك…

بل ليقوّيه.

وأن كل هذا الانتظار…

ليس تأخيرًا بلا معنى،

بل ترتيب…

بطريقة لا تراها الآن.

قد تطول الأيام،

وقد تتكرر نفس الدعوات،

وقد تعود لنفس المكان مرات كثيرة…

لكن في كل مرة،

أنت لست نفس الشخص.

أنت أقرب.

أصدق.

وأقوى…

حتى لو لم تشعر بذلك بعد.