بين سجده ودمعهبقلم الكاتبه صــمــتـ تحت الظلال فصل 1

السجده الاولى

3 دقائق قراءة · 431 كلمة

لم تكن البداية واضحة…

لم تكن هناك لحظة محددة تقول: "هنا بدأ كل شيء".

بل كان الأمر أشبه بتراكمٍ صامت…

وجعٌ فوق وجع،

وصبرٌ فوق صبر،

حتى امتلأ القلب بما لا يُقال.

في البداية، نحاول أن نكون أقوياء.

نقنع أنفسنا أن الأمر بسيط،

أننا نستطيع التحمل،

أن الأيام ستمر،

وأن كل شيء سيكون بخير.

لكن الحقيقة…

أن بعض الألم لا يمر،

بل يسكن.

يستقر في صدرك،

في أفكارك،

في نظرتك للحياة،

حتى تصبح الأشياء التي كانت عادية… ثقيلة.

تبتسم، لكنك مرهق.

تتحدث، لكنك غائب.

تعيش… لكنك لا تشعر.

ثم تأتي تلك اللحظة…

التي لا تستطيع فيها أن تكمل التظاهر.

تبحث عن مكان تهرب إليه…

ولا تجد.

تبحث عن شخص يفهمك…

ولا تجد الكلمات.

فتفعل الشيء الوحيد الذي لم تفكر فيه من قبل بهذا الشكل…

تسجد.

السجدة الأولى لا تكون مرتبة،

ولا طويلة،

ولا مليئة بالكلمات الجميلة.

تكون صادقة فقط.

تنزل…

وكأنك تضع كل ما فيك على الأرض.

كل تعبك،

كل خوفك،

كل أسئلتك التي لم تجد لها جوابًا.

وفي تلك اللحظة…

لا تتكلم فورًا.

تصمت.

وكأن قلبك يحاول أن يرتب نفسه…

أن يفهم كيف وصل إلى هنا.

ثم تبدأ الكلمات…

متعثرة،

غير كاملة،

أحيانًا بلا ترتيب.

"يا رب…"

وتتوقف.

لأنك لا تعرف ماذا تقول بعد.

هل تطلب؟

هل تشتكي؟

هل تبكي؟

أم فقط… تبقى؟

وهنا تبدأ الحقيقة الأولى في الدعاء:

أنك لا تحتاج أن تكون قويًا أمام الله.

تبكي…

لأول مرة بدون خوف من أن يراك أحد.

بدون محاولة لإخفاء صوتك.

بدون أن تبرر دموعك.

تبكي… لأنك أخيرًا لست مضطرًا أن تتماسك.

وفي تلك السجدة…

يحدث شيء غريب.

الألم لا يختفي…

لكنّه يهدأ.

الأسئلة لا تُجاب…

لكنها لم تعد تخنقك بنفس القوة.

كأنك…

وضعت حملًا ثقيلًا،

ولو لثوانٍ.

وهنا تدرك شيئًا لم تكن تعرفه:

أن القرب من الله لا يأتي دائمًا من الطمأنينة…

بل أحيانًا يولد من الانكسار.

الانكسار ليس نهاية.

رغم أنه يبدو كذلك.

هو لحظة صدق نادرة…

تسقط فيها كل الأقنعة،

كل الادعاءات،

كل القوة المزيفة.

تبقى أنت فقط…

كما أنت.

وهذا…

أقرب شكل لك إلى الله.

في السجدة الأولى،

لا تُستجاب كل الدعوات،

ولا تُحل كل المشاكل.

لكن شيء أهم يحدث…

يُفتح باب.

باب لم تكن تعرفه،

ولم تطرقه من قبل بهذا الصدق.

باب العلاقة الحقيقية مع الله.

لم تعد تدعو لأنك "يجب أن تدعو"،

بل لأنك تحتاج.

لم تعد تتكلم بكلمات محفوظة،

بل بكلمات تشبهك.

وهنا يبدأ التحول…

من إنسان يحاول أن يتحمل وحده،

إلى إنسان يعرف أنه ليس وحده.

قد تقوم من سجودك…

ولا يزال كل شيء كما هو.

لكن داخلك…

لم يعد كما كان.

صار هناك شيء جديد:

أمل صغير.

ليس كبيرًا،

ليس واضحًا،

لكنه موجود.

أمل يقول لك:

"يمكن… الأمور تتغير."

وقد لا تتغير فورًا…

لكن أنت بدأت تتغير.

وهذا…

هو بداية كل شيء.