مظلة لسمائكِ الجافةبقلم راوي الألم فصل 2

لغة الصمت في رصيف العابرين

3 دقائق قراءة · 439 كلمة

مرت أربعة أسابيع كاملة، وتحول مرور كلارا بجانب البوابة أثناء عودتها لبيتها إلى طقس يومي مقدس لكليهما. عشرون يوماً لم تنطق فيها بحرف، ولم يخرج من فمه خلف القناع صوت واحد، لكن الصمت بين الرصيف والبوابة تحول إلى لغة مشفرة بالغة العمق.

في الأسبوع الأول، بدأ مهرج البوابة يخصها بعروض خاطفة فور لمح قوامها يقترب من بعيد على الرصيف. يترك الطابور للحظة، يقترب من السياج الحديدي الفاصل، ويتظاهر بأنه يلتقط نجمة من السماء ويهديها لها في الهواء. كانت صديقتها صوفي التي ترافقها أحياناً في طريق العودة تضحك قائلة: "إن مهرج البوابة ذاك ينتظر مروركِ كل يوم يا كلارا!"، لكن كلارا كانت غارقة في عالم آخر. كانت تشعر بخصوصية سرية؛ هذا الترحيب الصامت يُصنع لامرأة عابرة لا تدخل السيرك، كأن الخيمة كلها لا تعنيه، بل يعنيها الشارع الذي تمشي فيه.

في الأسبوع الثاني، فاجأ المدينة مطر خريفي غزير ومباغت. لم تكن كلارا مستعدة، فاحتمت برصيف متجر مغلق، وضمت كتبها إلى صدرها وهي تراقب الشارع الحزين بقلة حيلة. انتبه لها ليون من خلف البوابة الحديدية. ترك طاولته فوراً، وبخفة بهلوانية ركض وسط المطر المتساقط، حاملاً في يده مظلة ملونة ضخمة ذات خطوط صفراء وحمراء فاقعة—مظلة السيرك التي تستخدم في العروض.قطع الطريق نحوها بخطوات استعراضية راقصة تتحدى انهمار الماء. وقف أمامها على الرصيف، وقام بفتح المظلة الملونة فوق رأسها بحركة دائرية سحرية، كأنه يفتح لها سماءً جديدة وسط الرماد. انحنى لها وقدم المظلة ليدها المرتجفة بوقار باليد الأولى، بينما وضع اليد الثانية على صدره جهة القلب.نظرت كلارا إليه بدهشة؛ كان هو يقف خارج حدود المظلة، تماماً تحت المطر الغزير. بدأت قطرات الماء تسيل بغزارة على قناعه البلاستيكي الأبيض الصلب، وتتساقط من أطراف معطفه المرقع، لكن عينيه خلف فتحات القناع لم تتحركا عنها. رأت البريق الحقيقي لعينين تبتسمان بامتنان مكسور وسط هذا الغرق الفجائي. لقد فعل ما يفعله المهرجون دائماً: اختار أن يبتل ويقسو عليه البرد، فقط لكي يمنح الدفء والأمان لقلبها العابر. هزت رأسها شاكرة بصمت، وأخذت مقبض المظلة، بينما تراجع هو للخلف بضع خطوات وهو يلوح لها بيده مودعاً بطريقة كوميدية ليخفي ارتعاش جسده من البرد، ثم ركض عائداً خلف سياج السيرك.

ومع حلول الأسبوع الثالث، بدأت كلارا تتجاوب بوعي أكبر. أصبحت تبطئ خطواتها عند الاقتراب من السيرك، تحمل مظلته الملونة التي أصبحت رفيقتها اليومية، تبتسم له ابتسامة خفيفة، وتومئ برأسها. لاحظت أن إيقاع حركته يتغير بالكامل فور رؤيتها؛ يصبح أكثر حيوية وقوة. صار يبتكر خدعاً بصرية أصعب بالكرات الملونة يرميها عالياً لتتجاوز السياج الحديدي وتعود ليده، فقط ليرى بريق الإعجاب والخوف عليها في عينيها.

في الأسبوع الرابع، وصلا إلى مرحلة من التماهي النفسي الكامل. أصبحت تفهم أنه متعب ومرهق من طريقة وقوفه المستندة على البوابة، وهو يعرف مزاجها ونوع يومها من سرعة خطواتها على الرصيف. لم يتبادلا اسماً، ولا موطناً. كانا غريبين يمتلكان أعمق أسرار بعضهما من خلف قضبان الحديد.