عتبة العالم الملون
دقيقتان قراءة · 236 كلمة
كانت ساحة المدينة القديمة تختنق برتابة الأيام. الوجوه تمر باهتة، والخطوات تتسارع كأنها تهرب من التزامات خانقة. وسط هذا الزحام، كانت كلارا تقف كل مساء عند زاوية مكتبة عتيقة، ثم تسلك طريق عودتها اليومي المعتاد نحو بيتها؛ وهو زقاق طويل يمر مجاوراً للسياج الحديدي الخارجي لأطراف المدينة، حيث نُصبت هذا الخريف خيمة دائرية عملاقة من القماش المقلم باللونين الأحمر والأبيض: سيرك الترحال الكبير.
وعند البوابة الحديدية الضخمة للخيمة، حيث يزدحم البشر في الطوابير، ظهر هو.لم يكن مهرجاً من مهرجي الحلبة الذين يركضون داخل الصخب. كان عمله يستلزم الوقوف عند الاستقبال الخارجي، يوجه الناس وينظم تدفق الطوابير بطابع المهرجين الساحر. يرتدي معطفاً طويلاً فضفاضاً مرقعاً بالأزرق الداكن والرمادي، ويضع على وجهه قناعاً بلاستيكياً أبيض صلباً، لامعاً وبلا ملامح، سوى فتحتين ضيقتين عند العينين، وشق صغير عند الفم.كان يمازح الأطفال المنتظرين، يخفي عملات الكبار بخفة يد، ويوزع الضحكات دون أن يتحرك قناعه الجامد ملمتراً واحداً.
لكن خلف ذلك البياض الميت، كانت هناك عينان سوداوان واسعتان، تشعان بحزن غريب ودافئ، تدوران ببحث مضطرب، ليس وسط الطابور، بل نحو الرصيف المقابل حيث يمر العابرون.
في اليوم الأول، كانت كلارا تمر مطأطئة الرأس، تحمل كتبها. وعند محاذاتها للبوابة، شعرت بنظرات ثقيلة تخترقها. التفتت، وتجمدت حركتها. تلاقت أعينهما من مسافة أمتار عبر فتحات القناع الأبيض. انقبض قلب كلارا لشعور جرف أنفاسها؛ كأن هاتين العينين الحزينتين تركتا كل الطوابير الصاخبة ونظرتا مباشرة إلى وحشتها الداخلية وهي تسير بمفردها في الشارع. انحنى لها المهرج الواقف خلف السياج بحركة مسرحية وقورة، متجاهلاً الحشود من حوله.