البارت 1
دقيقتان قراءة · 315 كلمة
بريقٌ يخدشُ العزلة
كانت القاعة الملكية في "دار الأوبرا" تضجُّ بهمسِ النخبة، وخشخشةِ أثواب الحرير التي كانت تجرُّ خلفها تاريخاً من الألقاب والامتيازات. الثريات الكريستالية المتدلية من السقف العالي كانت تعكسُ أضواءً باردة، تُشبه القلوب التي اجتمعت تحتها؛ كل شيءٍ هنا كان مُرتباً، مُنمقاً، ومُصطنعاً بامتياز.
في الصف الأول، وسط حاشيةٍ من الوصيفات والعيون الساهرة، جلست "نادين". كانت تبدو كأنها خُرِجت لتوّها من لوحةٍ زيتية كلاسيكية؛ فستانها البنفسجي الداكن ينسابُ حولها بدلالٍ أرستقراطي، وعقدُ اللؤلؤ يطوّق عنقها كقيدٍ من نور. كانت تنظرُ إلى المنصة الخشبية بمللٍ لم تستطع مساحيق التجميل الفاخرة إخفاءه، فقد سئمت من قصائد المديح الزائفة التي تُلقى لإرضاء طبقتها.
فجأة، ساد الصمت.
صعد هو.. "آسر". الشاعر الذي كانت قصائدهُ تتسللُ إلى أزقة المدينة كأنها مناشيرُ ثورية. لم يكن يرتدي بذلةً رسمية تليق بالمقام، بل سترةً بسيطةً تعكسُ اعتزازاً غريباً بفقره. وقف أمام الميكروفون، ولم ينحنِ للجمهور المخملي كما يقتضي البروتوكول، بل جال ببصره في القاعة كصقرٍ يبحث عن ضحية.
استقرت عيناهُ عليها.. على "نادين".
بدأ يلقي أبياته بصوتٍ رخاميٍّ عميق، يهزُّ أركان الصمت:
"يا ساكني القصورِ خلفَ ستائرِ الوهمِ..
ما نفعُ الحريرِ إذا كان القلبُ عارياً؟
أبنيتُم من الذهبِ حصوناً للنسيانِ..
ونسيتُم أنَّ الحقيقةَ لا تُشترى بالدنانيرِ."
ساد هرجٌ خفيٌّ بين الحضور، وتصاعدت الهمساتُ المستنكرة، لكنّ "نادين" لم تتحرك. شعرت وكأنّ كل كلمةٍ يلقيها هي نصلٌ يمزقُ غمدها الحريري. كانت عيناهُ تُحاكيان روحها المتمردة خلف ستار الدلال. لأول مرة، لم تشعر بالإهانة من انتقاد طبقتها، بل شعرت بالغيرة.. غيرةٌ من حرية هذا الرجل الذي لا يملكُ شيئاً سوى كلمته.
انتهت الندوة، وبينما كان الحرسُ يحيطون بها ليخرجوها عبر الممر الخاص، تعمدت أن تُسقط من يدها كتاباً صغيراً، كان ديوانه الذي اشترتهُ سراً من مكتبةٍ شعبية.
توقف الزمن للحظة حين انحنى هو ليلتقطه. تلاقت الأعين لأول مرة عن قرب؛ سوادُ عينيه الحاد اصطدم ببريق عينيها التائهتين. سلمها الكتاب بوقارٍ بارد، لكنه حين لمس غلافه، أحست هي برجفةٍ لم تكن بسبب برودة الطقس.
عادت إلى قصرها، وفي سكون غرفتها، فتحت الكتاب لتجد غرضها.. كان قد ترك لها في الهامش الأخير، وبسرعةٍ مذهلة، كلمةً واحدةً فقط كُتبت بريشتِه الخشنة:
"أفيقي.."