التسجيل
4 دقائق قراءة · 691 كلمة
قبل سبع سنوات، اختفت فتاة تُدعى نورا.
لم تُعثر الشرطة على جثتها، ولا على ملابسها، ولا على أي دليل واضح يثبت أنها غادرت المدينة.
لم يكن هناك شاهد رأى آخر لحظاتها.
لم تكن هناك سيارة غادرت في ذلك الوقت.
ولا رسالة وداع.
فقط هاتفها.
كان الهاتف ملقى على أرض غرفتها، شاشته محطمة من زاوية صغيرة، لكنه ظل يعمل.
وفي داخله وُجد تسجيل صوتي مدته إحدى عشرة دقيقة.
أربعة أصوات ظهرت في التسجيل.
صوت نورا.
صوت أخيها الأكبر آدم.
صوت صديقتها سلمى.
وصوت رابع لم تستطع الشرطة تحديد صاحبه.
الغريب أن التسجيل يبدأ بجملة قالتها نورا بهدوء:
— إذا سمعتم هذا... فمعناه أن واحدًا منا يكذب.
ثم صمت.
ثلاث ثوانٍ فقط.
قبل أن يأتي صوت آدم:
— نورا، كفاية.
— لا.
— قلت لك كفاية.
— وأنت قلت لي إنك ما راح تقول لهم.
تدخلت سلمى بصوت مرتجف:
— نورا، أرجوك.
ضحكت نورا.
لم تكن ضحكة طبيعية.
— أنتِ بالذات لا تطلبين مني أرجوك.
ساد صمت قصير.
ثم جاء الصوت الرابع.
هادئًا.
بعيدًا قليلًا.
— ما أقدر أكمل.
سألت نورا:
— ليه؟
لم يجب.
— أنت وعدتني.
ظل صامتًا.
ثم قالت نورا:
— إذن أنت تعرف.
بعدها سُمع صوت ارتطام قوي.
صرخة قصيرة.
ثم انقطع التسجيل.
---
بعد سبع سنوات، لم تعد قضية نورا تظهر في الأخبار.
أصبح اسمها واحدًا من تلك الأسماء التي يعرفها سكان المدينة دون أن يتحدثوا عنها.
كل شخص لديه روايته الخاصة.
بعضهم قال إنها هربت.
بعضهم قال إن أحد أفراد عائلتها قتلها.
وبعضهم كان مقتنعًا بأنها لا تزال حية.
أما الشرطة، فوضعت القضية في ملف قديم يحمل رقمًا لم يعد أحد يتذكره.
إلى أن وصل يونس.
كان صحفيًا في السادسة والعشرين، يعمل في صحيفة صغيرة خارج المدينة.
لم يذهب إلى هناك بحثًا عن نورا تحديدًا.
كان يريد قصة قديمة لم تُغلق بشكل صحيح.
وعندما سمع عن القضية، وجد فيها شيئًا مختلفًا.
قضية بلا جثة.
بلا قاتل.
وبلا نهاية.
بعد يومين من وصوله، جلس أمام آدم.
كان منزل آدم قديمًا وهادئًا.
أثاثه قليل.
والنوافذ مغلقة رغم أن الجو كان دافئًا.
وضع يونس جهاز التسجيل على الطاولة.
— هل سمعت هذا التسجيل من قبل؟
نظر آدم إلى الجهاز.
— مئات المرات.
— هل تعرف صاحب الصوت الرابع؟
لم يجب.
أعاد يونس السؤال:
— هل تعرفه؟
رفع آدم عينيه إليه.
— لا.
— هل نورا كانت تعرفه؟
— نعم.
— من هو؟
ابتسم آدم ابتسامة صغيرة.
— لو كنت أعرف، ما كانت القضية استمرت سبع سنوات.
كتب يونس ملاحظته.
ثم قال:
— هل تعتقد أن نورا ماتت؟
أجاب آدم دون تردد:
— نعم.
رفع يونس رأسه.
— كيف تعرف؟
ظل آدم ساكتًا لثوانٍ.
ثم قال:
— لأنها أخبرتني.
توقف القلم في يد يونس.
— متى؟
نظر آدم إلى النافذة.
— ليلة اختفائها.
— ماذا قالت؟
لم يجب.
— آدم؟
قال أخيرًا:
— قالت إنها لن تعود.
كتب يونس الجملة.
ثم رفع عينيه مرة أخرى.
— لكن سجلات الشرطة تقول إنك لم تكن في المدينة ليلة اختفائها.
تغير وجه آدم.
لأول مرة منذ بداية المقابلة، بدا عليه الارتباك.
— من قال لك هذا؟
— الملف الرسمي.
صمت آدم.
ثم قال:
— الملفات الرسمية لا تعرف كل شيء.
---
في اليوم التالي، قابل يونس سلمى.
كانت تعيش وحدها في شقة صغيرة فوق متجر قديم.
لم تبدُ عليهـا علامات التوتر عندما ذكر اسم نورا.
لكنها عندما رأت صورة نورا، أبعدت نظرها فورًا.
قال يونس:
— هل تعتقدين أنها ماتت؟
— لا أعرف.
— آدم يقول إنها ماتت.
— آدم يقول أشياء كثيرة.
— وأنتِ؟ ماذا تقولين؟
سكتت سلمى.
ثم قالت:
— نورا لم تكن خائفة من الموت.
— من ماذا كانت خائفة؟
نظرت إليه مباشرة.
— من أن تتذكر.
توقف يونس عن الكتابة.
— تتذكر ماذا؟
هزت رأسها.
— لا أعرف.
— أنتِ كنتِ أقرب صديقاتها.
— كنت.
— ماذا تغير؟
ابتسمت ابتسامة باهتة.
— كل شيء.
نهض يونس.
وقبل أن يخرج، سألها:
— هل تعرفين صاحب الصوت الرابع؟
لم تجب.
قال مرة أخرى:
— سلمى؟
رفعت عينيها إليه.
هذه المرة كان الخوف واضحًا.
— لا تبحث عنه.
— لماذا؟
قالت:
— لأنك تعرفه.
خرج يونس من الشقة دون أن يسألها ماذا تقصد.
لكنه طوال الطريق إلى الفندق لم يستطع التوقف عن التفكير في جملتها.
لأنك تعرفه.
---
في تلك الليلة، جلس يونس وحده في غرفته.
وضع سماعات الأذن.
شغّل التسجيل.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم ثالثة.
كان يحاول التركيز على الصوت الرابع.
أعاد المقطع.
صوت نورا:
— أنت وعدتني أنك ما راح تخبرهم.
ثم الصوت الرابع:
— ما أقدر أكمل.
أعاد المقطع.
مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
وفجأة...
رفع يونس رأسه.
تجمد.
الصوت.
لم يكن مألوفًا فقط.
كان يشبه صوته.
أعاد التسجيل.
رفع الصوت إلى أقصى درجة.
استمع.
كان صوته هو.
أغلق التسجيل فورًا.
بقي جالسًا دون حركة.
ثم قال لنفسه:
— مستحيل.
فتح التسجيل من جديد.
استمع.
نفس الصوت.
نفس النبرة.
نفس الطريقة في نطق الكلمات.
لكن ذلك كان مستحيلًا.
يونس لم يكن يعرف نورا.
لم يكن موجودًا في المدينة قبل سبع سنوات.
ولماذا سيكون صوته في تسجيل قديم؟
مد يده إلى هاتفه.
وصلت رسالة.
رقم مجهول.
فتحها.
كانت جملة واحدة:
"لا تكمل التسجيل."
ظل يحدق في الشاشة.
بعد ثوانٍ، وصلت رسالة ثانية.
"أنت لا تريد أن تتذكر."
شعر يونس ببرودة تسري في جسده.
رفع عينيه نحو باب الغرفة.
ثم عاد إلى الهاتف.
كتب:
"من أنت؟"
ظهرت علامة الكتابة.
اختفت.
ثم ظهرت من جديد.
وأخيرًا وصل الرد:
"اسأل نفسك أولًا: من أنا؟"
انطفأت الشاشة.
وفي اللحظة نفسها...
سمع يونس صوتًا من خلفه.
صوت امرأة.
هادئًا جدًا.
— يونس؟
استدار بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
لكن جهاز التسجيل على الطاولة...
كان يعمل.
رغم أنه لم يشغله.
ومن السماعة خرج صوت نورا:
— إذا كنت تسمع هذا الآن... فلا تثق بآدم.
ثم توقف التسجيل.
وبقيت الجملة الأخيرة معلقة في الغرفة.
لا تثق بآدم.