أنت والقمةبقلم صدى القارئ فصل 2

السجن الذي لا تراه

3 دقائق قراءة · 519 كلمة

تستيقظ في صباح عادي، لكن شيئًا ما في داخلك لم يعد كما كان تمامًا. ليس هناك حدث كبير وقع، ولا تغيير واضح في حياتك، ومع ذلك تشعر أن نظرتك للأشياء بدأت تصبح أعمق قليلًا، كأنك لم تعد تمر على يومك بنفس الطريقة القديمة التي كنت تعتبرها طبيعية.

تخرج من مكانك وتبدأ يومك كالمعتاد، لكن هناك فكرة صغيرة لا تغادرك منذ لحظة وقوفك أمام المرآة في الفصل السابق. فكرة لم تكن جديدة بالكامل، لكنها أصبحت أوضح الآن: أنك ربما كنت تعيش داخل دائرة مغلقة دون أن تنتبه لذلك.

كل شيء يبدو طبيعيًا من الخارج، لكن من الداخل هناك نمط يتكرر. تبدأ شيئًا بحماس، ثم يتراجع الحماس تدريجيًا، ثم يتحول الأمر إلى تأجيل، ثم يختفي تمامًا وكأنه لم يكن. المشكلة ليست في حدث واحد، بل في سلسلة طويلة من التكرار الذي أصبح جزءًا من يومك دون أن تسميه مشكلة أصلًا.

وأثناء سيرك في يومك، تبدأ تلاحظ شيئًا غريبًا: أنك لا تحتاج إلى أحد ليوقفك، لأنك غالبًا أنت من يتوقف وحده قبل أي عائق حقيقي. ليس هناك جدار أمامك، لكنك تتصرف كأن الطريق انتهى. ليس هناك باب مغلق، لكنك أحيانًا لا تحاول حتى أن تلمسه.

في لحظة هادئة من يومك، تبدأ الفكرة تتشكل بشكل أوضح: ماذا لو لم يكن ما تعيشه “حياة متأخرة” كما كنت تظن، بل “نمط حياة متكرر”؟ الفرق بين الاثنين بسيط في الشكل، لكنه ضخم في النتيجة. لأن التأخير يوحي بأنك ما زلت تتحرك، أما التكرار فيعني أنك تعيد نفس الخطوة دون أن تقترب من أي مكان جديد.

تتذكر قرارات كثيرة اتخذتها ثم لم تكتمل، وأفكارًا بدأت بها ثم توقفت عند أول صعوبة، وأهدافًا كنت متأكدًا منها في لحظة، ثم أصبحت شيئًا عاديًا بعد أيام قليلة. الغريب أنك لم تكن تشعر أنك تخسر، بل كنت تشعر فقط أنك “أجّلت قليلًا”، لكن التراكم كان يصنع شيئًا مختلفًا تمامًا دون أن تنتبه.

وفي هذه اللحظة، يبدأ معنى جديد يظهر في داخلك: أن أكبر عائق قد لا يكون في الخارج كما كنت تظن دائمًا. لا أشخاص يوقفونك، ولا ظروف تمنعك بالكامل، بل شيء أعمق وأهدأ… طريقة تعودت عليها دون أن تسأل عنها.

كأنك كنت تعيش داخل سجن غير مرئي، لا جدران له ولا أقفال، ومع ذلك لا تخرج منه. سجن اسمه العادة، وسقف اسمه “سأبدأ لاحقًا”، وأرضه هي الأيام التي تمر بنفس الشكل تقريبًا. والأخطر أنه لا أحد يدخلك إليه بالقوة، بل أنت من تبنيه خطوة بعد خطوة دون أن تشعر.

لكن الشيء المختلف هذه المرة أنك بدأت تراه، ولو بشكل بسيط. ليس وعيًا كاملًا بعد، لكنه بداية إدراك أن ما تعتبره طبيعيًا قد لا يكون طبيعيًا كما ظننت. وهذا الإدراك وحده كافٍ ليزعج الاستمرار بنفس الطريقة القديمة.

تواصل يومك وأنت تفكر بشكل مختلف قليلًا، ليس لأنك تغيرت بالكامل، بل لأنك لم تعد تقبل كل فكرة تمر في ذهنك كما كانت من قبل. هناك مساحة صغيرة بدأت تتكون بينك وبين عاداتك القديمة، مساحة تسمح لك أن تسأل: هل هذا ما أريده فعلًا، أم ما تعودت عليه فقط؟

ومع نهاية اليوم، لا يحدث تحول كبير أو قرار مصيري، لكن هناك شيء أهدأ وأعمق من ذلك. شعور بأن السجن الذي لم تكن تراه من قبل، أصبح الآن أقل خفاءً، حتى لو لم تجد بعد طريقة الخروج منه.

وفي مكان ما بداخلك، يظهر سؤال جديد لم يكن موجودًا في بداية اليوم: إذا كان هذا سجنًا فعلًا… فكيف يبدأ الإنسان بالخروج من شيء لا يرى أبوابه بوضوح؟