عندما نظرت إلى المرآة
3 دقائق قراءة · 441 كلمة
في لحظة هدوء لا يلاحظها أحد، تقف أمام المرآة. لا يوجد شيء مختلف في المكان، نفس الجدران، نفس الضوء، نفس الصمت الذي اعتدت عليه، لكن هناك شيء داخلك بدأ يختلف دون أن تنتبه. ليس لأنك قررت أن تتغير، بل لأن فكرة صغيرة بدأت تزعجك كلما حاولت تجاهلها.
تتأمل وجهك بصمت، وكأنك تحاول أن تفهم هذا الشخص الذي أمامك أكثر مما تفهم نفسك. السنوات مرت بشكل أسرع مما توقعت، والأيام تشبه بعضها بطريقة تجعلك أحيانًا لا تميز أين بدأت وأين انتهيت. ومع ذلك، هناك سؤال لا يغادرك مهما حاولت إبعاده: هل أنت فعلاً في المكان الذي كنت تتخيله منذ البداية؟
لا تتسرع في الإجابة، لأن الإجابة ليست سهلة كما تبدو. أنت لا تنظر فقط إلى مظهرك، بل إلى كل ما مررت به ولم يكتمل، إلى كل بداية بدأت بها بحماس ثم تركتها في منتصف الطريق، إلى كل فكرة شعرت أنها قد تغير حياتك ثم أجلتها حتى اختفت.
تقترب أكثر من المرآة دون أن تشعر، وكأنك تبحث عن شيء غير واضح. في داخلك إحساس غريب أنك لست متأخرًا فقط، بل أنك كنت تتحرك دون اتجاه واضح لفترة طويلة. لا أحد أخبرك أن المشكلة ليست في أنك لا تستطيع، بل في أنك بدأت أكثر من مرة ولم تكمل.
تتذكر لحظات كثيرة كنت فيها مقتنعًا أنك ستبدأ من جديد. غدًا، أو الأسبوع القادم، أو بعد أن تتحسن الظروف. لكن الوقت لم ينتظر، والظروف لم تتغير، وأنت بقيت في نفس الدائرة التي تعودت عليها دون أن تلاحظ.
في هذه اللحظة، لا يأتيك شعور قوي أو حماس مفاجئ، بل شيء أهدأ وأثقل: وعي بسيط بأن الاستمرار كما أنت الآن يعني أن السنوات القادمة قد تشبه السنوات الماضية بشكل أكبر مما تتوقع. وهذا التفكير ليس مخيفًا بقدر ما هو صادق.
تبتعد قليلًا عن المرآة، لكن نظرتك لا تزال ثابتة على نفس المكان. تشعر أنك لا تبحث عن إجابة جاهزة، بل عن معنى أعمق لما يحدث حولك وداخلك. ليس مطلوبًا منك أن تقرر كل شيء الآن، لكن هناك شيء بدأ يتغير في طريقة رؤيتك لنفسك.
لأول مرة، لا تسأل نفسك متى ستبدأ، بل تسأل سؤالًا مختلفًا تمامًا، سؤالًا لم يكن مريحًا من قبل: لماذا لم تبدأ بشكل حقيقي حتى الآن؟ هذا السؤال لا يعطيك جوابًا مباشرًا، لكنه يفتح بابًا لم تكن تراه سابقًا.
وفي تلك اللحظة، تدرك أن المشكلة لم تكن يومًا في البداية، بل في الاستمرار. وأن كل ما ظننته تأجيلًا بسيطًا كان في الحقيقة تراكمًا لقرارات صغيرة صنعت واقعك الحالي دون أن تشعر.
تخرج من أمام المرآة، لكن شيء بداخلك لم يعد كما كان قبل هذه اللحظة. لا يوجد تغيير واضح بعد، ولا خطوات جديدة، لكن هناك بداية مختلفة لا تُرى بالعين، بل تُفهم في الداخل.
وهكذا، دون ضجيج أو إعلان، تبدأ أول خطوة حقيقية نحو القمة. ليست خطوة نحو مكان بعيد، بل خطوة نحو فهم أعمق لنفسك كما أنت الآن، لا كما كنت تتمنى أن تكون.