أزِقَةٌ صامِتةّ
دقيقتان قراءة · 295 كلمة
أَزِقَّةٌ صَامِتَةٌ
وَجَدَتْ لُوسِينْدَا نَفْسَهَا تَقِفُ وَحِيدَةً فِي مَيْدَانٍ دَائِرِيٍّ وَاسِعٍ، تَتَفَرَّعُ مِنْهُ مَمَرَّاتٌ ضَيِّقَةٌ كَأَنَّهَا شَرَايِينُ مَتَاهَةٍ عِمْلَاقَةٍ. كَانَ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهَا مَصْنُوعاً مِنْ حِجَارَةٍ رَمَادِيَّةٍ عَتِيقَةٍ تَآكَلَتْ أَطْرَافُهَا بِفِعْلِ الزَّمَنِ، وَتَلُفُّ المَكَانَ هَالَةٌ كَثِيفَةٌ مِنَ الغُمُوضِ وَالصَّمْتِ المُطْبِقِ الَّذِي يَحْبِسُ الأَنْفَاسَ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ أَثَرٍ لِلْحَيَاةِ؛ فَلَا صَوْتَ لِطَائِرٍ يُحَلِّقُ فِي السَّمَاءِ المُغَبَّرَةِ، وَلَا حَرَكَةَ لِرِيحٍ تُحَرِّكُ الغُبَارَ السَّاكِنَ عَلَى الأَرْضِ.
أَمْسَكَتْ كِتَابَهَا الثَّمِينَ بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا بِقُوَّةٍ، لِتَسْتَمِدَّ مِنْ مَلْمَسِ صَفَحَاتِهِ المَأْلُوفَةِ بَعْضَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالشَّجَاعَةِ. بَيْنَمَا رَفَعَتْ يَدَهَا الأُخْرَى الَّتِي تَحْمِلُ البَوْصَلَةَ العَجِيبَةَ الَّتِي عَادَتْ لِلْحَيَاةِ؛ كَانَ عَقْرَبُهَا المَشْحُونُ بِالضَّوْءِ الفِضِّيِّ البَرَّاقِ يَدُورُ بِثَبَاتٍ ثُمَّ يَسْتَقِرُّ مُشِيراً نَحْوِ مَمَرٍّ ضَيِّقٍ ومُظْلِمٍ يَقَعُ بَيْنَ عِمَارَتَيْنِ أَثَرِيَّتَيْنِ شِبْهِ مُتَهَدِّمَتَيْنِ.
بَدَأَتْ لُوسِينْدَا تَسِيرُ بِخُطُوَاتٍ مَدْرُوسَةٍ وَحَذِرَةٍ، وَكَانَتْ عَيْنَاهَا الرَّمَادِيَّتَانِ تَتَفَحَّصَانِ بِذَكَاءٍ شَدِيدٍ النُّقُوشَ الغَرِيبَةَ المَحْفُورَةَ عَلَى الجُدْرَانِ المُرْتَفِعَةِ. كَانَتْ الرُّمُوزُ تُشْبِهُ لُغَةً قَدِيمَةً لَمْ تَرَهَا فِي أَيٍّ مِنْ كُتُبِهَا السَّابِقَةِ، مِمَّا أَشْعَلَ فِيهَا فُضُولَ القَارِئَةِ والمُسْتَكْشِفَةِ. كُلَّمَا تَقَدَّمَتْ خُطْوَةً دَاخْلَ ذَلِكَ الزُّقَاقِ، كَانَ شُعُورٌ غَرِيبٌ يَتَمَلَّكُ نَفْسَهَا، شُعُورٌ خَفِيٌّ بِأَنَّ هَذِهِ المَدِينَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِجَارَةٍ مَيِّتَةٍ وَأَطْلَالٍ مَنْسِيَّةٍ، بَلْ كَأَنَّ الجُدْرَانَ نَفْسَهَا تَمْلِكُ أَعْيُناً لَمْ تَرَهَا، وَأَنَّهَا تُرَاقِبُ كُلَّ حَرَكَةٍ تَقُومُ بِهَا.
حَاوَلَتْ تَجَاهُلَ هَذَا الشُّعُورِ المُقْلِقِ وَتَابَعَتْ تَقَدُّمَهَا، مُعْتَمِدَةً عَلَى النُّورِ الفِضِّيِّ الدَّافِئِ المُنْبَعِثِ مِنَ البَوْصَلَةِ وَالَّذِي كَانَ يَكْشِفُ لَهَا مَعَالِمَ الطَّرِيقِ المَلِيءِ بِالحِجَارَةِ المَكْسُورَةِ. لَكِنْ، وَفَجْأَةً، وَبِلَا أَيِّ مُقَدِّمَاتٍ أَوْ تَمْهِيدٍ، ارْتَعَشَ عَقْرَبُ البَوْصَلَةِ بِعُنْفٍ، ثُمَّ انْطَفَأَ الضَّوْءُ الفِضِّيُّ تَمَاماً لِيَحُلَّ الظَّلَامُ الدَّامِسُ عَلَى المَمَرِّ، وَتَوَقَّفَتْ البَوْصَلَةُ عَنِ الحَرَكَةِ كَأَنَّ طَاقَتَهَا قَدْ سُلِبَتْ مِنْهَا رَغْماً عَنْهَا!
تَجَمَّدَتْ لُوسِينْدَا فِي مَكَانِهَا، وَكَأَنَّ قَدَمَيْهَا قَدْ غُرِزَتَا فِي الأَرْضِ. كَتَمَتْ أَنْفَاسَهَا تَمَاماً، وَبَدَأَتْ دَقَّاتُ قَلْبِهَا تَتَسَارَعُ بِجُنُونٍ حَتَّى كَادَتْ تَسْمَعُ صَدَاهَا فِي صَدْرِهَا. وَسَطَ هَذَا الرُّعْبِ المُرْتَبِكِ، كَسَرَ الصَّمْتَ صَوْتٌ لَمْ تَكُنْ تَتَمَنَّى سَمَاعَهُ أَبَداً؛ صَوْتُ احْتِكَاكٍ خَفِيفٍ وَمُنْتَظَمٍ لِخُطُوَاتٍ ثَقِيلَةٍ تَقْتَرِبُ نَحْوَهَا بِبُطْءٍ مِنْ خَلْفِ المُنْعَطَفِ المُظْلِمِ الَّذِي يَقَعُ أَمَامَهَا بَأَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ...