نَبَضاتٌ عَتِيقَةٌ
دقيقتان قراءة · 301 كلمة
نَبَضَاتٌ فِي المَكْتَبَةِ العَتِيقَةِ
كان المَطَرُ يَنِهَالُ بِغَزَارَةٍ عَلَى شَوَارِعِ البَلْدَةِ المُظْلِمَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ "لُوسِينْدَا" تَرْكُضُ بِقَلْبٍ يَخْفِقُ بِشِدَّةٍ. أَنْفَاسُهَا المُتَسَارِعَةُ كَانَتْ الصَّوْتَ الوَحِيدَ الَّذِي يَكْسِرُ هُدُوءَ اللَّيْلِ العَاصِفِ. لَمْ يَكُنْ شَعْرُهَا الأَزْرَقُ الغَامِقُ المَبْتَلُ بِالمَاءِ عَائِقاً أَمَامَ حَرَكَتِهَا السَّرِيعَةِ، وَعَيْنَاهَا الرَّمَادِيَّتَانِ الفِضِّيَّتَانِ كَانَتَا تَتَفَحَّصَانِ المَمَرَّاتِ الضَّيِّقَةَ بِذَكَاءٍ حَادٍّ، بَحْثاً عَنْ مَخْبَأٍ يَقِيهَا مِنْ خَطَرٍ يُطَارِدُهَا.
لَمْ تَجِدْ أَمَامَهَا سِوَى بَابٍ خَشَبِيٍّ ضَخْمٍ شِبْهِ مَفْتُوحٍ، يَقُودُ إِلَى مَكْتَبَةٍ قَدِيمَةٍ مَنْسِيَّةٍ فِي أَطْرَافِ المَدِينَةِ. اِنْدَفَعَتْ إِلَى الدَّاخِلِ بِسُرْعَةٍ، وَأَغْلَقَتْ البَابَ الثَّقِيلَ خَلْفَهَا لِتَسْتَنِدَ إِلَيْهِ وَهِيَ تُحَاوِلُ التِقَاطَ أَنْفَاسِهَا.
كَانَ المَكَانُ يَفُوحُ بِرَائِحَةِ الوَرَقِ القَدِيمِ وَالغُبَارِ الَّذِي يَعْكِسُ زَمَناً مَهْجُوراً. سَارَتْ لُوسِينْدَا بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ بَيْنَ الرُّفُوفِ العَالِيَةِ المُمْتَلِئَةِ بِالكُتُبِ؛ فَحُبُّهَا الشَّدِيدُ لِلْقِرَاءَةِ وَحِسُّهَا المُرْهَفُ جَعَلَهَا تَنْسَى خَوْفَهَا لِلَحَظَاتٍ، وَكَأَنَّهَا وَجَدَتْ مَلَاذَهَا الآمِنَ.
وَفَجْأَةً، وَسَطَ هَذَا الصَّمْتِ، سَقَطَتْ نَظْرَتُهَا عَلَى كِتَابَيْنِ ضَخْمَيْنِ مُغْبَرَّيْنِ، وَبَيْنَهُمَا يَقْبَعُ صُنْدُوقٌ نُحَاسِيٌّ صَغِيرٌ جَذَبَ انْتِبَاهَهَا. مَدَّتْ يَدَهَا بِفُضُولِ المُغَامِرِ وَفَتَحَتْهُ، لِتَجِدَ دَاخِلَهُ "البَوْصَلَةَ العَجِيبَةَ". كَانَتْ نُقُوشُهَا غَرِيبَةً، وَعَقَارِبُهَا تَهْتَزُّ بِجُنُونٍ ثُمَّ تَتَوَقَّفُ فَجْأَةً كَأَنَّهَا مُعَطَّلَةٌ.
نَظَرَتْ لُوسِينْدَا إِلَى البَوْصَلَةِ النُّحَاسِيَّةِ القَدِيمَةِ القَابِعَةِ بَيْنَ كَفَّيْهَا. لَمْ تَكُنْ عَقَارِبُهَا تُشِيرُ إِلَى الشَّمَالِ أَوْ الجَنُوبِ كَأَيِّ بَوْصَلَةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ تَدُورُ بِعَشْوَائِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ تَتَوَقَّفَ تَمَاماً، مُعْلِنَةً تَعَطُّلَهَا.
لَمْ تَتَرَدَّدْ لُوسِينْدَا؛ فَذَكَاؤُهَا الحَادُّ وَشَغَفُهَا بِتَفْكِيكِ الأَشْيَاءِ وَإِصْلَاحِهَا جَعَلَاهَا تَبْتَسِمُ بِتَحَدٍّ رَغْمَ غُمُوضِ المَوْقِفِ. بِأَصَابِعِهَا المَاهِرَةِ وَالحَذِرَةِ، بَدَأَتْ تَتَفَحَّصُ التُّرُوسَ الدَّقِيقَةَ دَاخِلَ الإِطَارِ النُّحَاسِيِّ، مُحَاوِلَةً إِعَادَةَ التَّوَازُنِ إِلَى عَقْرَبِهَا الحَائِرِ.
وَمَا إِنْ أَعَادَتْ التَّرْسَ الأَخِيرَ إِلَى مَكَانِهِ بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ، حَتَّى صَدَرَ عَنِ البَوْصَلَةِ نَقْرَةٌ خَفِيفَةٌ، وَانْبَعَثَ مِنْ عَقْرَبِهَا ضَوْءٌ فِضِّيٌّ دَافِئٌ تَمَاماً كَلَوْنِ عَيْنَيْهَا. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، اهْتَزَّتْ الأَرْضُ تَحْتَ قَدَمَيْهَا عَنِيفاً، وَأَخَذَتْ جُدْرَانُ المَكْتَبَةِ تَتَلَاشَى كَالضَّبَابِ.
أَغْمَضَتْ لُوسِينْدَا عَيْنَيْهَا بِقُوَّةٍ، وَعِنْدَمَا فَتَحَتْهُمَا، وَجَدَتْ نفسَهَا تَقِفُ وَسَطَ شَوَارِعَ مَرْصُوفَةٍ بِالحِجَارَةِ العَتِيقَةِ، تُحِيطُ بِهَا بِنَايَاتٌ أَثَرِيَّةٌ شَاهِقَةٌ وَأَعْمِدَةٌ مَهْدُومَةٌ لِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ مَهْجُورَةٍ تَمَاماً. لَقَدْ تاهَتْ لُوسِينْدَا فِي عَالَمٍ صَامِتٍ، وَلَمْ يَعُدْ مَعَهَا سِوَى شَجَاعَتِهَا، وَكِتَابِهَا، وَتِلْكَ البَوْصَلَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَعْمَلُ مِنْ جَدِيدٍ.