الغفلة
6 دقائق قراءة · 1,183 كلمة
وما إن تجاوز الباب حتى اختفى الطريق خلفه، وكأن الباب لم يكن مجرد مدخل إلى مكان آخر، بل فاصلاً بين شيء تركه وراءه وشيء لم يكن مستعدًا لمواجهته بعد. وقف في مكان واسع تحيط به جدران لا يعرف من أين تبدأ ولا أين تنتهي، وكان الضوء فيه هادئًا وخافتًا، لا يأتي من مصباح واضح ولا من نافذة يمكن رؤيتها. لم يشعر بالخوف، لكن شيئًا في داخله أخبره أن هذا المكان لن يسمح له بالهرب من نفسه كما كان يفعل من قبل.
تقدم بضع خطوات، فلاحظ أن المكان لم يكن خاليًا كما ظن في البداية. كان هناك أشخاص متفرقون في أنحاء المكان؛ بعضهم جالس في صمت، وبعضهم يمشي ببطء، وآخرون يقفون أمام أبواب صغيرة منتشرة بين الجدران. لم يكن أحد منهم ينظر إلى الآخر، وكأن كل شخص يعيش وحده داخل ما يحمله في داخله. مر بجانب رجل جلس صامتًا، ينظر إلى يديه طويلًا دون أن يفعل شيئًا، ثم مر بامرأة وقفت أمام باب مغلق، تضع يدها على مقبضه ثم تسحبها في كل مرة، وكأنها تخشى ما ستراه إذا فتحته.
تابع السير، وكلما مر بأحدهم شعر أن وراء صمته شيئًا لا يعرفه. لم يكن المكان مجرد مكان يجتمع فيه أشخاص غرباء، بل كان يحمل شيئًا أعمق؛ شيئًا يجعل الإنسان يرى ما يخفيه عن الآخرين عندما لا يبقى حوله من يمدحه أو يراقبه أو يحاسبه. كان الصمت هنا مختلفًا، وكأنه يمنح كل شخص فرصة ليسمع ما كان يهرب منه وسط ضجيج حياته.
وبينما كان يسير، رأى رجلًا يجلس بالقرب من جدار، وقد وضع أمامه عددًا من الأشياء الصغيرة التي لا قيمة لها في ظاهرها. كان ينظر إليها باهتمام شديد، ثم يضع واحدة منها جانبًا ويأخذ أخرى، وكأنه يحاول أن يجد بينها شيئًا فقده منذ زمن. توقف القارئ بالقرب منه وسأله: «ماذا تبحث؟»
رفع الرجل عينيه إليه وقال: «كنت أظن أنني أبحث عن السعادة.»
نظر القارئ إلى الأشياء أمامه وقال: «وهل وجدتها؟»
ابتسم الرجل ابتسامة خالية من الفرح، وقال: «وجدت أشياء كثيرة، لكنني كلما حصلت على واحدة منها أردت غيرها. قضيت وقتي في جمع ما ظننته سيكفيني، حتى نسيت أن أسأل نفسي لماذا لم أشعر بالاكتفاء أصلًا.»
لم يجد القارئ ما يقوله، فتركه وتابع طريقه. كانت الكلمات بسيطة، لكنها أعادت إليه صورة الطريق الأول الذي دخله ثم تركه. أدرك أن الإنسان قد يعرف أنه يركض خلف أشياء لا تمنحه الراحة، ومع ذلك يستمر في الركض، ليس لأنه لا يرى الحقيقة، بل لأنه يخشى أن يتوقف ويسأل نفسه إلى أين يمضي.
بعد مسافة قصيرة، وصل إلى مكان أكثر اتساعًا، وفي وسطه جلس رجل بهدوء، لا يبدو عليه الحزن ولا الفرح. عندما اقترب منه، رفع الرجل رأسه وقال: «أنت جديد هنا.»
توقف القارئ وسأله: «أين أنا؟»
قال الرجل: «في المكان الذي يبدأ فيه الإنسان برؤية نفسه دون الأعذار التي اعتاد أن يضعها أمامها.»
شعر القارئ بانقباض في صدره، وقال: «لا أفهم.»
أشار الرجل إلى مكان قريب منه، وقال: «اجلس.»
جلس القارئ، وبقي صامتًا للحظات، ثم قال: «أريد أن أعرف كيف أخرج من هنا.»
نظر إليه الرجل طويلًا قبل أن يقول: «كل من يدخل يريد أن يخرج، لكن القليل منهم يتوقف ليسأل نفسه لماذا وصل إلى هنا.»
لم تعجبه الإجابة، فقال: «أنا لم أختر المجيء إلى هنا.»
قال الرجل بهدوء: «ربما لم تختر المكان، لكنك اخترت أشياء كثيرة قادتك إليه.»
بقي القارئ صامتًا. لم يكن يريد أن يسمع المزيد، لكنه لم يستطع المغادرة. شعر أن الرجل لا يتحدث عن المكان الذي يقفان فيه فقط، بل عن حياته بطريقة لم يفهمها كلها بعد.
قال الرجل: «هل كنت تظن أنك بعيد عن ربك لأنك تترك كل شيء؟»
هز القارئ رأسه ببطء، وقال: «لا.»
«إذن ما الذي أبعدك؟»
فكر طويلًا، ثم قال: «الانشغال.»
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة وقال: «الانشغال ليس دائمًا عذرًا. أحيانًا يكون الإنسان منشغلًا بما يريد، لكنه يجد وقتًا لكل شيء إلا لما يعرف أنه يحتاجه.»
شعر القارئ أن الكلمات أصابت مكانًا حساسًا داخله. تذكر كم مرة قال لنفسه إنه مشغول، وكم مرة كان لديه وقت لأشياء كثيرة، لكنه كان يؤجل لحظة صادقة مع الله إلى وقت آخر لا يعرف متى يأتي. لم يكن الأمر متعلقًا بأنه لا يعرف الطريق، بل بأنه كان يجد دائمًا شيئًا يشغله عنه، حتى أصبح التأجيل جزءًا من حياته دون أن يشعر.
قال الرجل: «هل تعرف ما أخطر شيء؟»
نظر إليه القارئ.
قال: «أن يعتاد الإنسان الغفلة حتى لا يشعر أنها غفلة.»
بقيت العبارة معلقة بينهما. لم يجد القارئ فيها شيئًا يحتاج إلى شرح، لأنه شعر أنه فهمها قبل أن يسمعها كاملة. فالغفلة لم تكن دائمًا أن ينسى الإنسان ربه تمامًا، بل أن يعرف أنه ابتعد، ثم يعيش أيامه وكأن العودة يمكن تأجيلها إلى وقت آخر.
نهض الرجل من مكانه وقال: «تعال.»
تبعه القارئ حتى وصلا إلى ممر طويل، وعلى جانبيه أبواب كثيرة. توقف الرجل أمام أحدها وقال: «كل باب هنا يفتح على شيء أخفيته عن نفسك.»
قال القارئ: «وماذا يوجد خلف هذا الباب؟»
أجابه الرجل: «أنت تعرف.»
وضع يده على المقبض، ثم ابتعد، تاركًا الباب أمامه.
وقف القارئ وحده. مد يده نحو المقبض، لكنه تردد. لم يكن يخشى ما خلف الباب بقدر ما كان يخشى أن يجد فيه شيئًا لا يستطيع إنكاره. بقي واقفًا للحظات، ثم فتحه.
لم يجد غرفة، ولا شخصًا ينتظره، بل رأى مشهدًا من حياته.
رأى نفسه في وقت مضى، جالسًا وحده، يعرف أنه أخطأ في أمر كان يستطيع إصلاحه، لكنه اختار أن يؤجله. ثم تغير المشهد، فرأى موقفًا آخر كان يستطيع فيه أن يعتذر، لكنه اختار كبرياءه. ثم رأى لحظة أخرى عرف فيها أن عليه أن يعود إلى الله، لكنه قال في نفسه إن الوقت ما زال طويلًا.
تغيرت المشاهد أمامه، لكنها لم تكن كثيرة ولا غريبة عنه. كانت لحظات يعرفها جيدًا، لحظات ظن أنها انتهت بمجرد مرورها، ثم اكتشف الآن أنها بقيت في داخله أكثر مما تصور.
أغلق الباب بسرعة، وتراجع خطوة. كان تنفسه أثقل، وعيناه معلقتين بالباب.
عاد الرجل ووقف أمامه.
قال القارئ بصوت منخفض: «لماذا تريني هذا؟»
أجابه: «لأنك كنت تتذكر كل شيء، لكنك كنت تتصرف كأنك نسيت.»
رفع القارئ عينيه إليه، ولم يستطع الرد.
قال الرجل: «المشكلة ليست أن الإنسان يخطئ. المشكلة أن يعرف خطأه، ثم يؤجل إصلاحه حتى يصبح التأجيل أسهل من التغيير.»
شعر القارئ أن المكان أصبح أضيق من قبل. لم يعد يريد رؤية المزيد، لكنه في الوقت نفسه لم يعد قادرًا على العودة إلى ما كان عليه قبل أن يدخل الباب.
أشار الرجل إلى نهاية الممر، وقال: «هناك طريقان.»
نظر القارئ، فرأى طريقًا واسعًا مضاءً يمتد إلى الأمام، وكان واضحًا وسهلًا، لا يحتاج إلى صعود ولا إلى مواجهة شيء. أما الطريق الثاني فكان ضيقًا، يمر بين جدران عالية، وكان مظلمًا في بدايته ولا يظهر أين ينتهي.
قال الرجل: «الأول يعيدك إلى ما اعتدت عليه. والثاني يأخذك إلى شيء لم تواجهه بعد.»
سأل القارئ: «وماذا يوجد في نهاية الثاني؟»
قال الرجل: «شيء لا يستطيع أحد أن يراه عنك.»
نظر القارئ إلى الطريقين طويلًا. كان الأول مريحًا وواضحًا، ولا يطلب منه سوى أن يمشي. أما الثاني فكان يثير في داخله خوفًا لم يستطع تفسيره.
تذكر الرجل الذي قابله في الطريق الأول، وتذكر الرجل المتعب في الطريق الثاني، وتذكر نفسه فوق التلة عندما سأل: «ماذا أفعل الآن؟»
ثم فهم أن الاختيار هذه المرة لم يكن بين طريقين في مكان غريب، بل بين أن يعود إلى الإنسان الذي اعتاد أن يكونه، أو أن يبدأ بمواجهة الإنسان الذي أصبحه.
خطا نحو الطريق الضيق.
وفي اللحظة التي وضع فيها قدمه داخله، سمع خلفه صوت الرجل يقول:
«أصعب لحظة في الرجوع ليست عندما تعرف أنك أخطأت، بل عندما تقرر أنك لن تعود إلى الخطأ نفسه.»
لم يلتفت.
تابع السير، وكان يشعر أن الطريق يزداد ضيقًا كلما ابتعد عن المكان الذي جاء منه، لكنه لم يتراجع. وللمرة الأولى منذ أن بدأت رحلته، لم يكن يبحث عن الطريق الأسهل، بل عن الطريق الذي يستطيع أن يمشي فيه دون أن يهرب من نفسه.
وكان يعرف أن ما ينتظره في نهايته لن يسمح له بأن يختبئ خلف كلمة واحدة من كلماته القديمة.