البداية
8 دقائق قراءة · 1,502 كلمة
لم يعرف أين كان. فتح عينيه ببطء، فوجد نفسه واقفًا في مكان لم تره عيناه من قبل. لم يكن هناك بيت أو شارع أو مبنى يمكن أن يدلّه على المكان الذي يوجد فيه، بل امتد أمامه طريق طويل تحت سماء رمادية هادئة، لا شمس فيها ولا مطر، وعلى جانبيه أرض واسعة يغطيها عشب قصير يتحرك مع نسيم خفيف لا يكاد يُسمع. حاول أن يتذكر كيف وصل إلى هناك، فبحث في ذاكرته عن آخر لحظة يعرفها، لكنه لم يجد سوى فراغ غامض يفصل بين ما يتذكره وبين المكان الذي يقف فيه الآن. آخر ما يتذكره كان يومًا عاديًا، ثم لا شيء. نظر خلفه، فرأى الطريق ممتدًا حتى يختفي في ضباب بعيد، ولم يجد شخصًا واحدًا يمكن أن يسأله عن المكان أو يدلّه على الطريق الذي جاء منه. نادى مرة، فجاءه صدى صوته ضعيفًا، ثم عاد الصمت كما كان، وكأن المكان لم يسمع شيئًا.
تقدم خطوة واحدة، ثم توقف. كان في المكان شيء لا يستطيع وصفه، شيء لا يبدو مخيفًا، لكنه في الوقت نفسه لا يمنحه الراحة. كان الهدوء شديدًا إلى درجة جعلته يشعر بأن وراءه شيئًا لا يعرفه، وأن عليه أن ينتبه قبل أن يخطو خطوة أخرى. وضع يده على صدره، فشعر بنبض قلبه واضحًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا وحاول أن يهدئ نفسه. لم يكن يعرف ماذا يفعل، لكنه كان يعرف أنه لا يستطيع البقاء واقفًا في مكانه إلى الأبد. تحرك قليلًا، وعندما تجاوز مسافة قصيرة، ظهر أمامه مشهد لم يكن موجودًا في اللحظة الأولى؛ كان الطريق الذي يسير فيه ينقسم إلى ثلاثة طرق مختلفة، وكأن المكان وضع أمامه اختيارًا لا يستطيع الهروب منه.
كان الطريق الأول واسعًا ومستقيمًا، تحيط به أضواء كثيرة، وتأتي من نهايته أصوات متداخلة وحركة تشبه حركة الناس في الأسواق والأماكن المزدحمة. أما الطريق الثاني فكان ضيقًا، تحيط به الأشجار من الجانبين، وتمتد أغصانها فوقه حتى تكاد تحجب السماء، بينما كان الطريق الثالث أكثر هدوءًا من الاثنين، يصعد تدريجيًا نحو تلة بعيدة، ولا يوجد حوله تقريبًا سوى أرض مفتوحة وسماء واسعة. وقف بينها فترة طويلة، يبحث عن أي علامة تخبره أي طريق يسلك، لكنه لم يجد شيئًا. لم يكن هناك شخص ينتظره، ولا لوحة تحمل اسمًا، ولا صوت يرشده. كانت الطرق الثلاثة أمامه، وكان عليه أن يختار بنفسه.
نظر إلى الطريق الواسع أولًا، وبدا له أنه الأسهل. الأضواء الكثيرة والأصوات القادمة من بعيد منحته شعورًا بأنه يقود إلى مكان مألوف، فبدأ يمشي فيه. كلما تقدم، أصبحت الأصوات أوضح، حتى رأى أمامه أناسًا كثيرين يسيرون بسرعة، وكل واحد منهم منشغل بشيء مختلف. بعضهم يحمل أموالًا وأشياء ثمينة، وبعضهم يتوقف أمام ما يراه في يديه بإعجاب، وآخرون يتسابقون للوصول إلى مكان لا يعرفه. كان الجميع يتحركون وكأنهم يخشون أن يفوتهم شيء، حتى إن أحدهم كان يلتفت كل لحظة خلفه ليتأكد أن أحدًا لم يسبقه.
اقترب أكثر، فلاحظ رجلًا يحمل شيئًا ثمينًا بين يديه ويضمه إلى صدره وكأنه يخشى أن يأخذه أحد منه. كان الرجل يملك الكثير، ومع ذلك كان القلق واضحًا في وجهه، وكلما اقترب منه أحد شد قبضته على ما يحمل. مر بجانب القارئ دون أن يراه، ثم لمح شابًا آخر يركض خلف شيء لامع يظهر أمامه للحظات ثم يبتعد عنه كلما حاول الوصول إليه. كان الشاب يسرع، يسقط أحيانًا، ثم ينهض دون أن يتوقف، وكأنه نسي لماذا بدأ الركض من الأساس. ظل القارئ يراقب المشهد بصمت، وكلما نظر إلى الوجوه من حوله شعر بشيء غريب؛ كان يرى فيهم صورًا لأشياء يعرفها جيدًا، رغم أنه لم يعرف أيًا منهم من قبل.
رأى في الرجل الذي يخشى فقدان ما يملك شيئًا من نفسه، ورأى في الشاب الذي يركض خلف الشيء اللامع صورة أخرى لحياة يعرفها. لم يكن يحب الاعتراف بذلك، لكنه أدرك أن الإنسان يستطيع أن يمضي سنوات طويلة وهو يظن أنه يبحث عن السعادة، بينما يكون في الحقيقة منشغلًا بجمع الأشياء والركض خلفها حتى ينسى لماذا بدأ الطريق أصلًا. توقف مكانه، ثم نظر إلى الأضواء والأصوات من حوله، وشعر للمرة الأولى أن هذا الطريق لا يمثل حياة أشخاص آخرين فقط، بل يمثل شيئًا عاشه هو أيضًا، فاستدار وعاد إلى نقطة الانقسام.
نظر إلى الطريق الثاني، ثم دخله. وما إن ابتعد قليلًا حتى بدأت الأصوات خلفه تختفي شيئًا فشيئًا، وحل مكانها هدوء طويل. كانت الأشجار على جانبي الطريق عالية، وأغصانها متشابكة فوق رأسه حتى أصبحت السماء بالكاد ظاهرة. مشى مسافة طويلة دون أن يرى أحدًا، وكلما ابتعد شعر بأن الطريق يدفعه إلى التفكير بدل أن يسمح له بالانشغال بأي شيء آخر. وبعد وقت، لمح رجلًا جالسًا على الأرض إلى جانب الطريق، وقد بدا عليه التعب الشديد، بينما كانت إلى جواره حقيبة قديمة وضع يديه فوقها كأنه يحرس شيئًا لا يريد لأحد أن يقترب منه.
اقترب منه وقال: «أنت بخير؟» رفع الرجل رأسه ببطء ونظر إليه، ثم قال بصوت هادئ: «كنت أظن أنني أملك وقتًا.» لم يفهم القارئ ما يقصده، فجلس على مسافة قريبة منه وسأله: «وقتًا لماذا؟» نظر الرجل إلى الطريق أمامه، وبقي صامتًا لحظات قبل أن يقول: «لكل شيء ظننته يمكن تأجيله. كنت أقول لنفسي إنني سأصلح ما أفسدته عندما أهدأ، وسأعتذر عندما يصبح الوقت مناسبًا، وسأعود إلى ربي عندما أكبر، وسأترك ما يؤذيني عندما أشعر أنني مستعد. كنت أظن أن المشكلة في الوقت، ثم اكتشفت متأخرًا أن المشكلة لم تكن في الوقت، بل في قلبي الذي كان يجد دائمًا سببًا جديدًا للتأجيل.»
ظل القارئ صامتًا، لأن الكلمات لم تكن غريبة عليه كما أراد أن يعتقد. نظر الرجل إليه وقال: «وأنت؟ كم شيء تؤجله؟» شعر القارئ بثقل السؤال، وتجنب النظر في عينيه، ثم قال: «لا أعرف.» ابتسم الرجل ابتسامة حزينة، وقال: «أحيانًا نعرف، لكننا لا نحب أن نعترف.» بقي القارئ ساكتًا، وشعر أن الرجل لم يكن يتحدث عن نفسه فقط، بل كان يضع أمامه شيئًا حاول طويلًا ألا ينظر إليه. أراد أن يسأله من يكون، وكيف عرف عنه كل ذلك، لكنه عندما رفع رأسه لم يجد في المكان سوى الطريق والأشجار، وكأن الرجل لم يكن موجودًا أصلًا. لم يفهم ما حدث، ولم يجد تفسيرًا، فتابع السير حتى عاد إلى نقطة الانقسام من جديد.
هذه المرة لم ينظر إلى الطريقين الأول والثاني. وقف أمام الطريق الثالث، ذلك الطريق الصاعد نحو التلة، وشعر أن شيئًا داخله يدفعه إليه رغم أنه لم يكن يعرف إلى أين سيقوده. بدأ يمشي ببطء، وكلما صعد التلة شعر أن الهواء أصبح أخف وأن الضجيج الذي كان يحيط به قبل قليل اختفى تمامًا. لم يكن هناك أحد، ولا أصوات، ولا أشياء تشتت انتباهه، حتى وصل إلى أعلى التلة فوجد مقعدًا حجريًا وحيدًا يطل على المكان كله. جلس عليه، ونظر إلى الطرق الثلاثة من الأعلى، فبدت له كأنها أجزاء من طريق واحد طويل، وكأن الاختلاف بينها لم يكن في نهايتها، بل في الاختيارات التي تقود الإنسان إليها.
أغمض عينيه للحظات، وشعر براحة لم يعرف سببها. لأول مرة منذ أن وجد نفسه في هذا المكان لم يشعر بالحاجة إلى الركض أو البحث عن إجابة سريعة. جلس ساكنًا، وبدأ يفكر في حياته دون أن يحاول الهروب من أفكاره. تذكر الأيام التي انشغل فيها بالدنيا حتى نسي ما هو أهم، وتذكر المرات التي عرف فيها الخطأ ثم أقنع نفسه أن أمامه وقتًا كافيًا ليصلحه، وتذكر أشخاصًا أحبوه ولم يمنحهم من اهتمامه ما يستحقون، وتذكر أخطاء حاول أن ينساها بدل أن يواجهها. ثم تذكر لحظات كان فيها وحده، وكان يستطيع أن يعود فيها إلى ربه، لكنه اختار أن يملأ وحدته بأي شيء آخر حتى لا يسمع ذلك الصوت الداخلي الذي كان يذكره بما يعرفه جيدًا.
خفض رأسه، وشعر بشيء لم يشعر به منذ وقت طويل. لم يكن خوفًا من الناس، ولا حزنًا على صورة يريد أن يحافظ عليها أمامهم، بل كان خجلًا من نفسه؛ خجل الإنسان عندما يتوقف عن اختلاق الأعذار ويجد نفسه أمام الحقيقة كما هي. بقي صامتًا مدة طويلة، ثم قال بصوت خافت: «ماذا أفعل الآن؟» لم يجبه أحد. رفع رأسه نحو السماء، ثم نظر أمامه، وشعر أن السؤال لم يكن بحاجة إلى إجابة تأتيه من الخارج، لأنه للمرة الأولى بدأ يفهم أن بعض الأبواب لا تُفتح بكلمة من أحد، وإنما بخطوة صادقة من الإنسان نفسه.
عندما نهض من مكانه، لاحظ طريقًا لم يكن موجودًا عندما وصل إلى التلة. كان أضيق من الطرق الثلاثة التي مر بها، لكنه واضح ويمتد إلى مكان بعيد تحجبه طبقة خفيفة من الضباب. لم يعرف من أين ظهر، ولم يحاول أن يبحث عن تفسير. اقترب منه، ثم توقف قبل أن يخطو أول خطوة. كان يستطيع أن يعود إلى الطريق الذي جاء منه، وكان يستطيع أن يجلس وينتظر حتى يجد تفسيرًا لما يحدث، لكنه شعر أن الرجوع هذه المرة لن يعيد إليه ما تركه خلفه.
وضع قدمه على الطريق الجديد، ومشى بضع خطوات. عندها تبدلت ملامح المكان من حوله بهدوء شديد؛ لم تختفِ التلة، ولم يتغير الطريق، لكن الضوء أصبح أكثر خفوتًا، والهواء حمل معه إحساسًا غريبًا جعل قلبه يخفق بسرعة. أمامه، في نهاية الطريق، ظهر باب وحيد لم يره من قبل. لم يكن بابًا لقصر أو بيت، ولم يكن خلفه جدار يمكن أن يحدد المكان الذي يقود إليه، بل كان قائمًا وحده في منتصف الطريق، مرتفعًا وثقيلًا، وكأنه ينتظر شخصًا بعينه.
اقترب منه ببطء، وتوقف أمامه. نظر إلى المقبض، ثم التفت إلى الطريق الذي جاء منه. كان يستطيع العودة، وكان لا يزال قادرًا على تجاهل كل ما حدث والبحث عن مخرج آخر، لكنه شعر أن شيئًا في داخله تغير منذ أن جلس فوق التلة. لم يعد يريد أن يختار الطريق الأسهل لمجرد أنه أسهل، ولم يعد يريد أن يهرب من الأسئلة التي ظل يؤجل مواجهتها طوال حياته.
مد يده نحو المقبض، وتردد لحظة، ثم أمسكه. كان باردًا تحت يده، وشعر للحظة أن قلبه يخفق بقوة أكبر. لم يعرف ماذا يوجد خلف الباب، ولم يعرف لماذا وصل إلى هذا المكان، لكنه عرف أن الخطوة التالية لن تكون مثل الخطوات التي سبقتها.
فتح الباب.
ودخل.