لماذا انا يا أميبقلم Rim _el فصل 2

الخرساء

دقيقتان قراءة · 363 كلمة

.موت أمي أخذ صوتي معه. لم يكن قرارا مني. حاولت أن أقول أريد ماء، فلا يخرج شيء. كان حلقي مفتوحا لكن صوتي بقي محبوسا هناك معها.

أخذتني خالتي مرغمة. لم تكن تحب وجودي. كانت تقول لزوجها هذه الفتاة ستجلب لنا المتاعب. كنت أنام في مخزن الحطب على كومة من القش. في النهار أكنس البيت وأغسل الصحون وأحمل الماء من البئر البعيد. أفعل كل شيء دون أن أتكلم ودون أن يشكرني أحد.

الأطفال في القرية أصبحوا أكثر قسوة. كانوا يتبعونني إلى البئر ويصرخون يا خرساء تكلمي إن كنت تستطيعين. كنت أهرب وأبكي دون صوت. بكائي كان داخليا حارا كجمرة.

الشيء الوحيد الذي كان يبقيني حية هو ذلك الدفء الذي لم يفارقني. في الليالي الباردة في مخزن الحطب حين كنت أرتجف من البرد والخوف، كان يأتي. ضوء صغير بحجم كف اليد يظهر في زاوية المخزن يقترب مني ببطء. لم يكن يخيفني، كان دفؤه يصل إلي قبل ضوئه.

في ليلة بعد أن تعبت كثيرا لأنني كسرت صحنا عن غير قصد، جلست في الظلام أبكي بحرقة دون صوت. ظهر الضوء واقترب أكثر من أي مرة. ولأول مرة سمعت صوته بوضوح في داخلي، صوت دافئ مطمئن يقول: لا تبكي يا جمرة.

تجمدت. نظرت حولي لا أحد. كان الصوت كأنه صدى لكلمات أمي التي كانت تقولها لي.

جلست على القش وبدأت أتحدث معه في عقلي وهو يرد. قلت لماذا لا يسمعني أحد غيرك؟ فشعرت كأن الجواب يأتي من قلبي: لأن الناس تسمع بآذانها، أما أنا فأسمع بقلبك. صوتك لم يمت يا جمرة، صوتك انتقل من حلقك إلى قلبك. منذ تلك الليلة لم أعد وحيدة.

كنت أحكي له كل شيء دون أن أنطق. كان هو ذكرى دعاء أمي. تذكرت أنها حدثتني مرة وهي حامل بي أنها دعت الله ليلة كاملة أن يرزقني من يحرسني حين لا تستطيع هي. وفهمت أن هذا الدفء هو استجابة دعائها، هو القوة التي تركتها أمي بداخلي لتحميني.

بقيت عند خالتي سنتين وأنا على هذا الحال. سنتان من الصمت والعمل والدفء الخفي. حتى جاء اليوم الذي دخلت فيه المدرسة مرة أخرى. كنت في الحادية عشرة ورغم أنني لا أتكلم أصر مدير المدرسة الطيب أن أعود. هناك قابلت صديقتي الوحيدة ليلى. كانت هي الوحيدة التي لا تؤذيني بكلامها. كانت تجلس بجانبي وتفهمني دون كلام. ظننت أن الحياة بدأت تبتسم أخيرا. لم أكن أعرف أن تحديا جديدا ينتظرني.