لماذا انا يا أميبقلم Rim _el فصل 1

بنت الساحره

3 دقائق قراءة · 489 كلمة

لم أكن أعرف أن اسمي سيكون لعنة. أمي سمتني جمرة. قالت لي ذات مرة وهي تمشط شعري: سميتك جمرة لأنك حين ولدت لم تبكي كباقي الأطفال، كنت حمراء كالجمرة وتنظرين إلي وكأنك تفهمين كل شيء.

لم يكن أبي ساحرا كما كانوا يقولون. كان رجلا طيبا يعرف أسماء الأعشاب التي توقف السعال. وأمي لم تكن ساحرة، كانت تعرف كيف تخيط جرحا وكيف تهدئ طفلا يبكي بخلطة من الزعتر والعسل. لكن في قريتنا، كل من يعرف أكثر من الآخرين يصبح ساحرا في أعينهم.

كبرت وأنا أسمع نفس الكلمات كل يوم. انظروا، هذه بنت الساحرة. لا تقتربوا منها. كنت أعود إلى كوخنا الصغير وأسأل أمي باكية لماذا يقولون عنك ساحرة؟ كانت تضمني وتقول لأنهم يخافون من المرأة القوية.

مات أبي وأنا في السابعة بالحمى. لم يكن معنا ثمن الدواء. بعد موته بقينا وحدنا أنا وهي ضد القرية كلها. كانت تخرج كل صباح لتخيط ملابس النساء وتعود ببعض الخبز.

كنت أظن أن الوحدة قصة، حتى بدأت أشعر بدفء غريب بجانبي في الليالي الباردة رغم أن النار تنطفئ. كنت أسمع همسا يقول لا تخافي.

حتى جاء اليوم المشؤوم وكنت في التاسعة. جاء رجال الدرك وقالوا إن زوجة المختار مرضت بعد أن أعطتها أمي عشبة بابونج واتهموها بالسحر. أخذوها أمام عيني. تشبثت بثوبها وصرخت اتركوا أمي. دفعني أحدهم وسقطت.

بقيت ثلاثة أيام وحدي. في اليوم الرابع سمحوا لي بالدخول لخمس دقائق. كانت جالسة على الأرض الباردة، وجهها شاحب. حين رأتني حاولت أن تبتسم وقالت جمرتي حبيبتي. مدت يدها من بين القضبان لتمسح دموعي. فجأة شهقت شهقة قوية ووضعت يدها على قلبها ونظرت إلي طويلا ثم سقطت. صرخت أمي أمي لكنها كانت قد ذهبت. ماتت أمام عيني قتلها الظلم والقهر. في تلك اللحظة شعرت بشيء ينكسر في داخلي ليس قلبي فقط بل صوتي أيضا. سقطت مغشيا علي.

حين استيقظت في بيت خالتي حاولت أن أقول أمي ماتت لكن لم يخرج من فمي أي صوت. منذ ذلك اليوم أصبحت الفتاة الخرساء بنت الساحرة التي ماتت أمها في الحبس. ولم أكن أعرف أن قريني كان يبكي معي في تلك الزنزانة دون أن أراه. رسالة إلى عزيزي القارئ

يا عزيز القارئ،

قبل أن تبدأ، أريد أن أتفق معك على شيء.

ما ستقرأه في "لماذا أنا يا أمي" ليس مجرد حكاية. هي صرخة صامتة ظلت حبيسة حلق فتاة صغيرة لأربع سنوات.

قد تسألني وأنت تقرأ: هل هذه قصة حقيقية حدثت فعلا؟ أم هي مجرد خرافة نسجها خيالي؟

سأترك لك أنت الجواب.

اعتبرها حقيقية إن كنت قد شعرت يوما أن صوتك لا يخرج رغم أن قلبك يصرخ.

واعتبرها خرافية إن كنت تؤمن أن النور لا يمكن أن يسكن مخزن حطب بارد.

بالنسبة لي، "جمرة" حقيقية. هي كل طفلة فقدت أمها فجأة، ووجدت نفسها غريبة في بيت لا يريدها. هي كل صوت خائف تحول إلى قوة داخلية تدفئ صاحبها في الليالي الباردة.

أنا لم أكتب هذه الرواية لأخيفك، بل كتبتها لأقول لك: حتى لو أخذوا منك صوتك، وبيتك، واسمك، سيبقى دعاء أمك ونور قلبك معك.

فإذا أكملت القراءة ووجدت دمعة في عينك، أو دفئا في صدرك، فاعلم أن جمرة قد وصلت إليك.

شكرا لأنك كنت العائلة التي لم تجدها جمرة في قريتها😔