الرقص فوق الاشواك
دقيقتان قراءة · 314 كلمة
البارت الثاني: الرقصُ فوق الأشواك
(من مذكرات تولين - التاريخ: 20 سبتمبر)
يقول المتنبي:
أَعزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ
لكنني يا قصي، لم أجد "عزّ مكان" إلا بجانبك، ولم أجد "خير جليس" إلا عينيك الصامتتين.
اليوم.. انهار كل شيء.
كنا في طريق العودة من جامعتنا، وكان المطر يغسل أرصفة المدينة، ظننتُ أن المطر سيخفي أثرنا، لكن القدر كان أسرع. لمحنا أخي "زيد" من بعيد. رأيتُ في عينيه شرراً لم أره من قبل. صرخ باسمي بصوتٍ هزّ أركان قلبي، ولم تكن صرخته غضباً عليّ فحسب، بل كانت حِقداً متوارثاً انفجر في وجهك.
سحبني من يدي بقسوة، وهو يوجه لك أبشع الكلمات: "ألم يكتفِ أبوك بما فعله بعائلتنا؟ أتريد الآن أن تسرق ابنتنا أيضاً؟"
أردتُ أن أدافع عنك، أردتُ أن أقول له إنك لستَ ذنب أبيك، وإنني لستُ ملكاً لأحد.. لكن صوتي خذلني مرة أخرى. نظرتُ إليك، كنتَ واقفاً بشموخٍ جريح، لم ترد بكلمة، ليس خوفاً، بل لأنك تعرف أن أي كلمة منك ستزيد النار اشتعالاً عليّ.
حين وصلنا للمنزل، صفعني أبي للمرة الأولى. لم تكن الصدمة من الألم الجسدي، بل من كلمته التي نزلت كالصاعقة:
"منذ اليوم، لا خروج.. ولا دراسة.. ولا هواء تشمينه إلا بإذني. وقصي هذا.. إن رأيته قرب حدودنا، سأنهي حكايته بيدي!"
أغلقتُ باب غرفتي الآن، والظلام يلفني. أكتبُ والدموع تبلل الورق، وأتساءل: هل الحب في بلادنا جريمة يُعاقب عليها الأبناء بذنوب الآباء؟
قصي.. هل تسمع نبضي الآن؟ هل تعرف أنني فديتك بصمتي؟
كما يقول الشاعر إيليا أبو ماضي:
إنَّ نَفساً لَم يُشرِقِ الحُبُّ فيها
هِيَ نَفسٌ لَم تَدرِ ما مَعناها
وأنا يا قصي، عرفتُ معنى نفسي معك، والآن.. أخشى أن أفقد هذا المعنى للأبد.
(عودة للحاضر - الفتاة المجهولة)
أغلقتُ المذكرة بيدي الارتجاف. كان الورق في هذه الصفحة مجعداً، وكأن صاحبتها قد بكت فعلاً فوق الكلمات. شعرتُ ببرودة تسري في جسدي.. هذه العائلة، هذا الحقد، هذه الصرخة.. لماذا أشعر أنها مألوفة جداً؟
بحثتُ في الصندوق مرة أخرى، فوجدتُ مظروفاً مغلقاً لم يُفتح قط، كُتب عليه بخط "قصي" (إلى تولين.. في حال لم نلتقِ ثانية).
ترددتُ.. هل أفتحه؟ هل أملك الحق في نبش أسرارٍ دفنها أصحابها بقهرهم؟