غلاف رواية حِينَ يَطْرُقُ الْمَوْتُ حِينَ يَطْرُقُ الْمَوْتُبقلم 𝒁𝑬𝑹𝑶 فصل 1

الطَّرْقَةُ الأُولَى،

3 دقائق قراءة · 565 كلمة

لَمْ أَكُنْ أُؤْمِنُ بِأَنَّ بَعْضَ الأَمَاكِنِ تَخْتَارُ أَصْحَابَهَا، وَلَمْ أَكُنْ أُؤْمِنُ أَيْضًا بِأَنَّ المَوْتَ قَدْ يَطْرُقُ بَابَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدًا. كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ الخَوْفَ شَيْءٌ يَصْنَعُهُ العَقْلُ حِينَ يَكُونُ وَحْدَهُ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، وَأَنَّ الأَصْوَاتَ الَّتِي نَسْمَعُهَا فِي اللَّيْلِ لَيْسَتْ إِلَّا أَصْوَاتَ بَيْتٍ قَدِيمٍ يَتَمَدَّدُ مَعَ بُرُودَةِ الجَوِّ. كُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ دَائِمًا… حَتَّى سَمِعْتُ الطَّرْقَةَ الأُولَى.

كَانَتِ السَّاعَةُ تَقْتَرِبُ مِنْ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ حِينَ وَصَلْتُ إِلَى المَنْزِلِ. كَانَ الطَّرِيقُ طَوِيلًا وَخَالِيًا، وَالأَشْجَارُ المُحِيطَةُ بِهِ تَتَحَرَّكُ بِبُطْءٍ مَعَ الرِّيحِ، كَأَنَّهَا تَلْتَفِتُ نَحْوِي كُلَّمَا مَرَرْتُ بِجَانِبِهَا. أَطْفَأْتُ مُحَرِّكَ السَّيَّارَةِ وَبَقِيتُ لِثَوَانٍ أُحَدِّقُ فِي البَيْتِ أَمَامِي. لَمْ يَكُنْ كَمَا تَخَيَّلْتُهُ؛ كَانَ أَكْبَرَ، وَأَقْدَمَ، وَأَكْثَرَ صَمْتًا مِمَّا يَجِبُ.

ثَلَاثَةُ طَوَابِقَ، نَوَافِذُ طَوِيلَةٌ مُغْلَقَةٌ بِسَتَائِرَ سَوْدَاءَ، وَبَابٌ خَشَبِيٌّ عَتِيقٌ تَغَطَّى جُزْءٌ مِنْهُ بِالخُدُوشِ. فَوْقَ البَابِ كَانَ هُنَاكَ مِصْبَاحٌ صَغِيرٌ يَضْطَرِبُ ضَوْؤُهُ بِشَكْلٍ مُزْعِجٍ. أَخَذْتُ مِفْتَاحَ المَنْزِلِ مِنْ جَيْبِي وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لِثَانِيَةٍ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ شَعَرْتُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَنَّنِي لَسْتُ أَوَّلَ مَنْ حَمَلَ هَذَا المِفْتَاحَ.

نَزَلْتُ مِنَ السَّيَّارَةِ، وَمَا إِنْ أَغْلَقْتُ البَابَ حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتًا خَفِيفًا مِنْ دَاخِلِ المَنْزِلِ.

طَق.

تَوَقَّفْتُ، وَحَدَّقْتُ فِي البَابِ لِثَوَانٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ. حَمَلْتُ حَقِيبَتِي وَصَعِدْتُ الدَّرَجَاتِ القَلِيلَةَ المُؤَدِّيَةَ إِلَى المَدْخَلِ، وَكُلَّمَا اقْتَرَبْتُ شَعَرْتُ بِذَلِكَ الإِحْسَاسِ الغَرِيبِ يَكْبُرُ فِي دَاخِلِي. وَعِنْدَمَا وَضَعْتُ المِفْتَاحَ فِي القُفْلِ، شَعَرْتُ بِبُرُودَةٍ تَمُرُّ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِي.

دَارَ المِفْتَاحُ، وَانْفَتَحَ البَابُ.

لَمْ أَجِدْ شَيْئًا.

فَقَطْ رَائِحَةُ الغُبَارِ وَالخَشَبِ القَدِيمِ، وَهَوَاءٌ بَارِدٌ خَرَجَ مِنَ الدَّاخِلِ كَأَنَّ البَيْتَ كَانَ يَحْتَفِظُ بِبُرُودَتِهِ لِسَنَوَاتٍ. دَخَلْتُ وَأَغْلَقْتُ البَابَ خَلْفِي، وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَغْلَقْتُهُ فِيهَا سَمِعْتُ صَوْتَ سَاعَةٍ فِي أَعْمَاقِ المَنْزِلِ.

دَقَّةٌ وَاحِدَةٌ… ثُمَّ سَكَنَ كُلُّ شَيْءٍ.

أَشْعَلْتُ أَضْوَاءَ المَدْخَلِ، فَظَهَرَتْ لِي مَمَرَّاتٌ طَوِيلَةٌ وَجُدْرَانٌ مُغَطَّاةٌ بِصُوَرٍ قَدِيمَةٍ. كَانَتْ مُعْظَمُ الصُّوَرِ لِأَشْخَاصٍ لَا أَعْرِفُهُمْ؛ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَأَطْفَالٍ يَقِفُونَ أَمَامَ الكَامِيرَا بِوُجُوهٍ جَامِدَةٍ. لَكِنْ شَيْئًا وَاحِدًا لَفَتَ انْتِبَاهِي؛ جَمِيعُ الصُّوَرِ كَانَتْ تَحْمِلُ تَارِيخًا، إِلَّا صُورَةً وَاحِدَةً كَانَتْ فِي نِهَايَةِ المَمَرِّ، أَكْبَرَ مِنْ بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، وَمُغَطَّاةً بِقِطْعَةِ قُمَاشٍ سَوْدَاءِ.

اقْتَرَبْتُ مِنْهَا، وَرَفَعْتُ يَدِي نَحْوَ القُمَاشِ، لَكِنِّي تَوَقَّفْتُ قَبْلَ أَنْ أَلْمَسَهَا. لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا، إِلَّا أَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِي كَانَ يَصْرُخُ بِأَنَّنِي لَا يَجِبُ أَنْ أَرَاهَا. أَنْزَلْتُ يَدِي وَابْتَعَدْتُ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ سَمِعْتُ صَوْتَ خُطُوَاتٍ فِي الطَّابِقِ العُلْوِيِّ.

رَفَعْتُ رَأْسِي نَحْوَ الدَّرَجِ.

خُطْوَةٌ… ثُمَّ أُخْرَى.

كَانَتِ الخُطُوَاتُ بَطِيئَةً وَوَاضِحَةً، ثُمَّ تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً. بَقِيتُ أُحَدِّقُ فِي الدَّرَجِ، أَنْتَظِرُ ظُهُورَ أَحَدٍ، لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ. قُلْتُ لِنَفْسِي إِنَّهَا رُبَّمَا أَصْوَاتُ الخَشَبِ القَدِيمِ، وَحَاوَلْتُ أَنْ أُقْنِعَ نَفْسِي بِذَلِكَ، ثُمَّ صَعِدْتُ.

عِنْدَمَا وَصَلْتُ إِلَى الطَّابِقِ الثَّانِي، وَجَدْتُ مَمَرًّا طَوِيلًا تَتَوَزَّعُ عَلَى جَانِبَيْهِ أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ. وَعِنْدَ نِهَايَةِ المَمَرِّ كَانَ هُنَاكَ بَابٌ أَسْوَدُ، مُخْتَلِفٌ عَنْ بَقِيَّةِ الأَبْوَابِ، وَعَلَيْهِ رَقْمٌ مَعْدَنِيٌّ صَغِيرٌ: ١٣.

أَخْرَجْتُ هَاتِفِي وَفَتَحْتُ صُورَةَ مُخَطَّطِ الطَّابِقِ الَّتِي أَرْسَلَهَا لِي صَاحِبُ المَنْزِلِ. تَابَعْتُ الغُرَفَ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، ثُمَّ شَعَرْتُ بِشَيْءٍ بَارِدٍ فِي مَعِدَتِي.

١… ٢… ٣… ٤… ٥…

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَقْمُ ١٣.

رَفَعْتُ رَأْسِي بَطِيئًا، فَكَانَ البَابُ مَا زَالَ أَمَامِي. اقْتَرَبْتُ مِنْهُ، وَقَبْلَ أَنْ أَلْمَسَ مَقْبَضَهُ سَمِعْتُ صَوْتًا خَافِتًا جِدًّا مِنْ خَلْفِهِ.

لَمْ يَكُنْ طَرْقًا.

كَانَ هَمْسًا.

وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ إِلَّا كَلِمَةً وَاحِدَةً… كَلِمَةً كَانَتْ كَافِيَةً لِتَجْعَلَ جَسَدِي كُلَّهُ يَتَجَمَّدُ.

كَانَ الهَمْسُ يَنْطِقُ اسْمِي.

تَرَاجَعْتُ خُطْوَةً، وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا انْطَفَأَتْ جَمِيعُ أَضْوَاءِ الطَّابِقِ. غَرِقَ المَمَرُّ فِي ظَلَامٍ كَامِلٍ، ثُمَّ جَاءَتْ الطَّرْقَةُ.

طَق.

تَبِعَتْهَا طَرْقَةٌ ثَانِيَةٌ.

طَق.

ثُمَّ سَادَ الصَّمْتُ لِثَوَانٍ طَوِيلَةٍ، قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ الطَّرْقَةُ الثَّالِثَةُ.

طَق.

وَانْفَتَحَ البَابُ الأَسْوَدُ وَحْدَهُ.

لَمْ أَرَ مَا دَاخِلَهُ فِي البِدَايَةِ، لَكِنْ شَيْئًا وَاحِدًا ظَهَرَ فِي ضَوْءِ هَاتِفِي؛ كُرْسِيٌّ وَحِيدٌ فِي مُنْتَصَفِ الغُرْفَةِ، وَفَوْقَهُ صُورَةٌ كَبِيرَةٌ.

اقْتَرَبْتُ قَلِيلًا.

كَانَتِ الصُّورَةُ لِي.

لِي أَنَا، وَأَنَا وَاقِفَةٌ فِي هَذَا المَمَرِّ نَفْسِهِ.

لَمْ أَفْهَمْ كَيْفَ التُقِطَتْ، وَلَمْ أَفْهَمْ لِمَاذَا كَانَتْ تَحْمِلُ تَارِيخَ اليَوْمِ. لَكِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي جَعَلَ قَلْبِي يَتَوَقَّفُ لَحْظَةً كَانَ السَّطْرُ المَكْتُوبُ تَحْتَهَا:

«لَمْ تَصِلْ بَعْدُ.»

قَرَأْتُ الجُمْلَةَ مَرَّتَيْنِ، وَفِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ سَمِعْتُ صَوْتَ البَابِ خَلْفِي وَهُوَ يُغْلَقُ بِبُطْءٍ.

عِنْدَهَا فَقَطْ، فَهِمْتُ أَنَّ الطَّرْقَاتِ الثَّلَاثَ لَمْ تَكُنْ لِكَيْ أَفْتَحَ البَابَ…

كَانَتْ لِكَيْ أَعْرِفَ أَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ دَخَلَ المَنْزِلَ قَبْلِي.