ارض في الفلاغبقلم M like cat فصل 2

غابة ماروسيل والتدريب القاسي

12 دقيقة قراءة · 2,242 كلمة

كان بريس يبحث عن غابة ماروسيل، لكن كل من سمعه يذكر اسمها كان يرتجف خوفًا، وكأنها مكان من المحرم ذكره. لم يكن يعلم كيف سيعثر على الطريق، حتى شعر بلمسة خفيفة على كتفه.

التفت بسرعة، ووجد أمامه فتاة ترتدي قناع نسر، تنظر إليه بابتسامة غامضة، عيناها تخفيان شيئًا لا يستطيع قراءته.

قالت بصوت هادئ لكنه يحمل ثقة غريبة:

"مرحبًا!"

ردّ بريس بتوتر وهو يحاول إخفاء قلقه:

"أه... مرحبًا، نسر... هل وجدتِ المكان؟"

أومأت برأسها وأجابت بثقة:

"أجل، لقد وجدت غابة ماروسيل."

نظر بريس إلى الأشخاص الواقفين خلفها وسأل بحذر:

"أصدقاؤك؟"

ابتسمت نسر وأشارت إليهم قائلة:

"أجل... تعرف عليهم."

كان هناك فتى وفتاة يقفان بجانب بعضهما، كلاهما يرتديان أقنعة ثعالب، وشعرهما أحمر بلون اللهب. كانت الفتاة ذات شعر قصير ، بينما كان شعر الفتى أطول قليلاً ، ورغم ذلك كانا متقاربين في الطول، لكنه تفوّق عليها ببضعة سنتيمترات.

أشارت إليهما قائلة:

"يمكنك مناداة الفتاة بـ (ثعلبة)، والفتى بـ (ثعلب)."

ثم التفتت إلى فتاة أخرى، ذات شعر أشقر طويل، ترتدي قناع غزالة، وملابس أنيقة تتناسب مع مظهرها الوديع و الودود. كانت ابتسامتها ناعمة كضوء الفجر، تمنحها هالة من اللطف والسكينة.

قالت نسر:

"وهذه... نادها بـ (غزالة)."

ثم أشارت إلى رجل طويل القامة، ذو جسد قوي، شعره أسود قصير، يرتدي قناع ثعبان وملابس بسيطة لكنها تعكس قوته. كانت عيناه باردتين، لا يمكن قراءة ما يدور في ذهنه.

"وهذا... ناده بـ (ثعبان)."

أخيرًا، التفتت نسر نحوه بابتسامة خفيفة:

"أما أنا، فبإمكانك مناداتي بـ (نسر)."

نظر بريس إلى المجموعة ثم أجاب بابتسامة خفيفة:

"حسنًا... يمكنكم مناداتي بـ (دب). إذن، هل وجدتم غابة ماروسيل؟"

تحولت ابتسامة نسر إلى ملامح أكثر جدية، وقالت بحزم:

"نعم، لكن الرحلة إليها طويلة جدًا، ولا توجد أي عربات يمكنها إيصالنا... سنضطر إلى السير على الأقدام."

تنهد ثعبان قائلاً بضيق:

"كنت واثقًا أن (ذئب) لن يجعل الأمر سهلًا علينا."

قالت ثعلبة وهي تعقد ذراعيها:

"أجل، ذئب دائمًا قاسٍ وبارد."

أومأ ثعلب موافقًا وأضاف:

"أحيانًا أشعر أنه حتى لو احترق كل شيء أمامه، فلن يظهر على وجهه أي تعبير مختلف."

لكن غزالة ابتسمت بلطف وقالت مدافعة:

"ولكنه يهتم بنا ويحمي الجميع... قد يبدو باردًا، لكن لا يمكننا إنكار أنه يملك قلبًا طيبًا."

ساد الصمت لوهلة، ثم أومأ الجميع موافقين على كلماتها، رغم أنهم لم ينكروا أن ذئب يظل شخصية غامضة لا يسهل فهمها.

////

وسط الغابة الكثيفة، كان الفريق يشق طريقه عبر الدروب الوعرة، حيث امتلأت المسارات بالصخور والمنحدرات الحادة، مما جعل التقدم شاقًا. كانت أنفاسهم تتلاحق، وعرقهم يتصبب بغزارة، لكنهم واصلوا المسير رغم الإرهاق.

بعد ساعات من المشي المتواصل، توقفوا لالتقاط أنفاسهم، ونظروا إلى بعضهم البعض بقلق. فجأة، تساءل نسر بصوت مضطرب:

— "انتظروا... أين غزالة؟"

تبادل الجميع النظرات، قبل أن يرد ثعلب بقلق:

— "صحيح! لقد كانت معنا منذ قليل... أين يمكن أن تكون؟ يجب أن نبحث عنها فورًا، قد تكون في خطر!"

انطلقوا جميعًا يركضون وسط الأشجار بحثًا عنها، بينما كان دب يحاول اللحاق بهم، لكنه فجأة سمع صوت حركة غريبة خلفه. استدار بسرعة، ليجد نفسه أمام مخلوق ضخم يشبه الغوريلا، لكن ملامحه بدت أكثر شراسة وقوة. قبل أن يتمكن من التفكير، انقض الوحش عليه!

كان دب قويًا، لكن هذا الكائن كان يفوقه حجمًا، وبدأ القتال بينهما. حاول دب المراوغة، لكن الوحش كان سريعًا بشكل مفاجئ. أدرك دب أنه لا يستطيع هزيمته بالقوة وحدها، لذا بدأ يخطط بذكاء. لاحظ وجود كهف قريب، فاستدرج الغوريلا نحوه، ثم استغل لحظة ارتباكها ورمى حجرًا ضخمًا على مدخل الكهف، ليسقط الصخور ويغلقه على الوحش تمامًا.

تراجع دب وهو يلهث، يتحسس جسده ليجد جرحًا صغيرًا على ذراعه، لكنه تجاهله وأكمل طريقه مسرعًا، يبحث عن أصدقائه.

وبينما كان يشق طريقه بين الأشجار، لمح نسر في مأزق! كان حيوان مفترس ضخم على وشك الانقضاض عليها. بدون تردد، أمسك دب بقطعة خشب حادة تشبه الرمح، ثم رماها بكل قوته نحو الوحش، فأصابه في نقطة قاتلة، مما جعله يطلق زئيرًا غاضبًا قبل أن يسقط أرضًا.

أسرع دب نحو نسر، وساعدها على النهوض وهو يسأل بقلق:

— "هل أنتِ بخير؟"

أجابت نسر وهي ما زالت تلتقط أنفاسها:

— "أجل، بفضلك... لقد أنقذتني! شكرًا لك، دب."

لكن دب لم يكن مطمئنًا بعد، فالتفت حوله قبل أن يسألها:

— "أين بقية الفريق؟"

أشارت نسر باتجاه الغابة وقالت:

— "لقد تفرقنا أثناء البحث عن غزالة... لكنني وقعت في قبضة هذا الوحش وكدت أفقد حياتي لولا أنك أنقذتني!"

نظر دب إلى الأعماق المظلمة للغابة، ثم شد قبضته وقال بحزم:

— "يجب أن نجدهم بسرعة... قبل أن يكون الأوان قد فات!"

ثم انطلقا معًا، عازمين على العثور على غزالة وإنقاذ بقية الفريق، قبل أن تلتهمهم ظلمات الغابة الغامضة.

بالمصادفة، بينما كان دب ونسر يواصلان البحث، لمحا ثعلب وثعلبة قادمين من بين الأشجار. ارتسمت ابتسامة على وجه دب، بينما أسرعت نسر إليهما بقلق:

— "هل أنتما بخير يا رفاق؟!"

أجاب ثعلب وهو يلتقط أنفاسه:

— "أجل، نحن بخير! لقد واجهنا وحشًا وتمكنتُ من هزيمته!"

لكن ثعلبة قاطعته بسرعة وهي تعقد ذراعيها بغضب طفيف:

— "هزمناه معًا، وليس وحده!"

ضحك دب وقال بارتياح:

— "من الجيد أنكما بخير... لكن لا وقت لهذا الآن! علينا العثور على بقية الفريق فورًا، فقد يكونون في خطر!"

تحرك الجميع بسرعة، يواصلون البحث بين الأشجار الكثيفة. وبعد لحظات من الترقب، وجدوا غزالة واقفة تحت شجرة ضخمة، وبجانبها "ثعبان"! هرعوا نحوهما بقلق، لكنهم فوجئوا بأنها كانوا بخير تمامًا، بل كان بخير جدا و لا يوجد اي إصابات تذكر.

تنهد الجميع بارتياح، وأخيرًا اجتمع الفريق مجددًا بعد طول عناء. تبادلوا النظرات، متأكدين أن هذه الرحلة أصبحت أخطر مما تخيلوا، لكنهم الآن معًا، وهذا ما يهم.

بدأوا السير مجددًا، هذه المرة أكثر اتحادًا، متبعين الطريق الذي كانت نسر ترشدهم إليه. كانوا يسيرون بحذر، أعينهم تتفحص كل زاوية في الغابة، حتى ظهر أمامهم تلّ غريب الشكل... لم يكن جبلًا شاهقًا، لكنه أيضًا لم يكن مجرد هضبة، بل شيء بين الاثنين، يقف شامخًا أمامهم كحاجز جديد في طريقهم.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يقطعه صوت بريس، الدب القوي، وهو يسأل بصوت ثابت لكنه يحمل إرهاقًا واضحًا:

— "نسر... هل نحن في الطريق الصحيح؟"

تبادلت نسر النظرات مع الفريق، ثم حدقت نحو الأفق، حيث كان التل يلوح أمامهم بغموض...

أجابته النسرة بحزن:

"للأسف، نعم."

تأفف الثعلب وقال:

"تبا، كنت أعلم أن الأمر سيكون صعبًا، لكن ليس لهذه الدرجة!"

أما الثعلبة فعبّرت عن استيائها:

"بعد كل هذه الأميال، علينا الآن أن نتسلق أيضًا؟!"

قالت الغزالة وهي تلهث:

"أنا متعبة جدًا..."

لكن الثعبان، رغم تعبه، تحدث بحزم:

"رفاق، لم نقطع كل هذه المسافة لنقف هنا! حتى لو كانت غابة ماروسيل في آخر العالم، يجب أن نصل إليها. نحن هنا للتدريب تحت قيادة الذئب، ونعلم جميعًا أنه ليس لطيفًا. هذا أول اختبار لنا... فهل سنتجاوزه؟"

نظر الجميع إلى بعضهم البعض، ثم صاحوا بصوت واحد بحماس رغم التعب:

"هيا بنا!"

ضحك الثعلب وقال بمكر:

"حسنًا، من سيحملني إلى الأعلى؟ أنا متعب حقًا!"

ضحك الجميع، لكن بريس، الدب، قال بحزم:

"معك حق... ذئب ليس شخصًا عاديًا، وقد رأيت ذلك بعيني. إذا كان سيدربنا، فهذا يعني أنه سيجعلنا مميزين أكثر من أي أحد آخر!"

التسلق نحو القمة

بدأ الجميع في صعود التلة بصعوبة، يساعدون بعضهم البعض كلما تعثر أحدهم. وفي لحظة خطرة، كاد بريس أن يسقط، لكن الثعلب أمسك به بسرعة وهو يصرخ:

"احترس!"

شكره بريس وأكمل التسلق مجددًا حتى وصل الجميع إلى القمة. جلسوا هناك يلتقطون أنفاسهم، والتعب بادٍ على وجوههم.

نظرت الثعلبة إلى المشهد أمامها بذهول وقالت:

"رفاق! هل هذه كلها غابة؟!"

تبادل الجميع النظرات، ثم التفتوا إلى المشهد خلف التلة، فصُدموا... أمامهم امتدت غابة ضخمة، مليئة بالأشجار العملاقة، والطيور الغريبة، وكائنات لم يروها من قبل. كلما نظروا أبعد، زاد اندهاشهم، حتى لمح بريس شيئًا آخر...

قال بدهشة وهو يشير نحو شجرة:

"رفاق! انظروا هناك... إنه ذئب!"

////

حين وصلوا إلى القمة، لم يصدقوا أعينهم... أمامهم امتدت غابة ضخمة، مليئة بالأشجار العملاقة، الطيور الغريبة، وكائنات لم يروها من قبل. وبين تلك الأشجار، جلس ذئب على غصن شجرة، يتناول حفنة من العنب بهدوء، غير مكترث لوصولهم.

نظر إليهم ببرود قاتل وقال بصوت هادئ لكنه حاد كالسكين:

"استغرقتم وقتًا أطول مما توقعت... كنت على وشك النوم."

نظر إليه الجميع بصدمة وإحباط، فقد توقعوا ترحيبًا مختلفًا بعد كل هذا العناء.

قال الثعلب بانزعاج:

"لقد تعبنا كثيرًا للوصول إلى هنا!"

رفع ذئب حاجبه قليلًا، ثم قال بسخرية باردة:

"تعبتم؟ لم أعطكم أي تدريب بعد! كل ما طلبته هو أن تأتوا إلى هنا، وأنتم من توسلتم إليّ لتدريبكم. هل تفهمون؟"

ساد الصمت القاتل، وكأن الكلمات جمدتهم في أماكنهم.

وفجأة، بصوت حاد أشبه بصفعة قوية، قال الذئب:

"الآن... 20 ضغطة!"

اتسعت أعين الجميع بصدمة.

"هل سمعتموني؟! 20 ضغطة، الآن!"

/////

عندما بدأ الثعبان بالتباطؤ، لم يتردد الذئب. مدّ ساقه، سحب يد الثعبان بعنف، فاختل توازنه وسقط على وجهه وسط التراب.

نظر إليه الذئب بجمود قاتل وقال بصوت بارد كالصقيع:

"هل تسمي هذا تدريبًا؟ أعد العد من البداية!"

وهكذا، استمر التدريب حتى لم تعد أرجلهم تحملهم، وعندما حان وقت المغادرة، قال الذئب بصوت قاطع:

"عودوا إلى منازلكم... سيرًا على الأقدام."

/////

في القصر الإمبراطوري]

كان بريس يسير باتجاه القصر، مختلفًا عن الجميع، فهو لم يعد إلى منزل عادي، بل إلى القصر الإمبراطوري، فهو الأمير الثاني. ومع ذلك، وكما توقع تمامًا... لم يلاحظ أحد غيابه منذ الصباح. لم يسأل عنه أحد، لم يتفقده أحد، وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس.

دخل غرفته بصمت، ألقى نظرة خاطفة حوله، ثم خلع ملابسه المبللة بالعرق واستلقى على سريره. جسده كان يصرخ من الإرهاق، وعقله كان يئن من الصمت القاتل الذي يحيط به. لم يكن لديه طاقة لفعل أي شيء آخر... فقط النوم.

---

[الحلم]

كان بريس يسير وسط غابة مظلمة، الأشجار الكثيفة تحجب ضوء القمر، والضباب يلف المكان كالشبح. بالكاد كان يرى أمامه، لكن ظلالًا مألوفة بدأت تظهر في الأفق.

كان هناك خمسة أشخاص يقفون معًا، يرتدون أقنعتهم المعتادة:

النسرة، ذو النظرة الحادة التي تعكس قوته و جماله.

الغزالة، برقتها وخفتها المعتادة.

الثعلب، بابتسامته الماكرة.

الثعلبة، التي كانت دائمًا يقظة وحادة الذكاء.

الثعبان، هادئًا لكنه لا يُستهان به.

إنهم أصدقاؤه الجدد... أولئك الذين يتدربون معه .

شعر بريس بارتياح خفيف عندما رآهم، لكنه تجمد في مكانه عندما لاحظ وجود شخص آخر بينهم...

أخوه، الأمير الأول.

كان يقف وسطهم بثقة، الجميع يبتسمون له كما يفعلون دائمًا، ينظرون إليه بإعجاب وكأنه مركز الكون. كانوا يتحدثون معه بحماس، وكأنهم نسوا تمامًا وجود بريس.

شعر بشيء ثقيل يجثم على صدره. حاول التقدم نحوهم، أن ينادي عليهم، لكن...

كلما حاول بريس الاقتراب من أصدقائه، كان يبتعد أكثر... كان الضباب يبتلعه، والصوت الوحيد الذي سمعه كان ضحكات أخيه بين المجموعة.

"لا! لا! ليس مجددًا! لماذا؟! لاااااااا!"

[الواقع]

استيقظ مفزوعًا، يلهث بشدة، والعرق يبلل جبينه. جلس على السرير، دفن وجهه بين يديه، ثم همس بصوت مبحوح، يكاد لا يُسمع:

"... لماذا؟... لماذا تريد اخذ كل شيء مني دائمًا؟"

نهض بريس من سريره ببطء، جسده مثقل بالإرهاق وروحه أشد إنهاكًا. فتح باب غرفته بخفّة، وكأنه يخشى أن يوقظ الأشباح الساكنة في قلبه، ثم اتجه إلى الخارج. كانت أروقة القصر هادئة، لكن أصواتًا خافتة امتزجت بهدوء الليل، شدّت انتباهه رغمًا عنه.

توقف عند زاوية مظلمة، حيث وقف بعض الخدم يتبادلون الحديث. لم يكن بحاجة إلى الاقتراب كثيرًا ليسمع كلماتهم، فقد كانت تطعن في صدره بوضوح جارح:

"سمو الأمير الأول... كم هو رائع! أتذكرون عندما كان صغيرًا؟ كان يبكي كثيرًا، لكنه الآن أصبح قائدًا حقيقيًا، جديرًا بمنصب ولي العهد."

ضحكاتهم امتزجت بإعجاب صادق، كلماتهم حملت تقديرًا عميقًا، لكن بالنسبة إلى بريس... كانت سياطًا تجلد قلبه بلا رحمة.

وقف هناك، جامدًا كتمثال منحوت من الوحدة، عينيه متسعتان بشعور يعرفه جيدًا... ذلك الفراغ القاسي الذي يملأ صدره كلما تذكر الحقيقة. لا أحد يتحدث عنه. لا أحد يذكره. لا أحد يهتم.

كل شيء في هذا القصر، كل ابتسامة، كل همسة، كل خطوة... كلها وُجدت فقط لأجل أخيه.

لم يكن بحاجة إلى أن يسأل نفسه، فقد عرف الإجابة دائمًا:

"ماذا عني؟ أليس لي مكان؟"

حتى والديه، اللذان يفترض أن يكونا موطنه الأول، لم يلاحظا وجوده. ربما لو اختفى الآن، لما تغير شيء... ربما لو لم يُولد من الأساس، لكان كل شيء كما هو تمامًا.

شعر بشيء ثقيل يجثم على صدره، جرح قديم لم يندمل، بل ظل يتسع بصمت عبر السنين.

خفض رأسه قليلًا، عينيه غارقتان في ظلام لا يمكن الفرار منه. ثم، بصمت يشبه الحداد، استدار مبتعدًا... تاركًا خلفه أصوات الخدم، وترك معهم جزءًا آخر من روحه، يضيع في ظلال القصر.

عاد بريس إلى غرفته، خطواته بطيئة، كأنها تحمل ثقل عالم بأسره. نظر حوله للحظات، الغرفة الفاخرة التي عاش فيها طوال حياته بدت خاوية أكثر من أي وقت مضى. لا أصوات تناديه، لا أحد يسأل عنه.

زفر ببطء، ثم اتجه إلى خزانته وسحب ثيابًا عادية، بعيدة كل البعد عن أقمشته الرسمية المعتادة. ارتدى معطفه الداكن، ثم أمسك بالقناع الجلدي الذي أصبح رمزه الجديد... قناع الدب.

غطى وجهه به، كأنه بذلك يطمس كل ما يربطه بحياته السابقة، بكل ما يذكره بأنه مجرد ظل في حياة الآخرين.

تحرك بخطوات ثابتة نحو المكان الذي كان من المفترض أن يلتقي فيه بأصدقائه. وما إن اقترب، حتى رأى أنهم هناك بالفعل... ينتظرونه.

توقف للحظة، نظر إليهم بصمت. كانوا واقفين معًا، يتبادلون الحديث والضحكات، لكن ما جعله يشعر بشيء غريب يطرق صدره هو أن أحدهم كان يلتفت بين الحين والآخر، يبحث عنه.

إنهم... حقًا بانتظاره.

لأول مرة، في مكان ما، هناك أشخاص يفتقدونه. هناك من ينتظر قدومه. هناك من يرى وجوده مهمًا.

شعر بحرارة خفيفة تنتشر في صدره، دفء لم يعرفه من قبل، لكنه لم يجرؤ على الاعتراف به.

وحين اقترب أكثر، ابتسمت نسر قائلة:

"أخيرًا وصلت، دب! تأخرت قليلًا."

ضحك ثعلب وأردف بمكر:

"كنت أظن أنك ستختبئ خلف فخامة قصرك وتتركنا نجوع هنا!"

أما غزالة، فقد أشارت إلى قطعة قماش وضعت عليها بعض الطعام البسيط، قائلة بابتسامة هادئة:

"لم نكن نعرف ما تحب، لذا أحضرنا ما استطعنا... نأمل أن يعجبك."

تردد بريس للحظة، ثم جلس بينهم. لم يكن الطعام فاخرًا، لم يكن يشبه أطباق النبلاء المصنوعة بعناية. لكنه كان مختلفًا... كان يعني شيئًا.

وللمرة الأولى منذ وقت طويل، تناول طعامًا بفرح حقيقي.

بعد ذلك، نهضوا جميعًا، واتجهوا نحو الغابة، حيث ينتظرهم ذئب ليبدأ تدريبهم.

بينما كانوا يسيرون معًا، شعر دب بشيء غريب... إحساس بأن هناك عينين تتابعانه. التفت للحظة بين الحشود، لكنه لم يرَ شيئًا بوضوح.

تجاهل الأمر في البداية، لكنه لم يدرك أن الظلال كانت تراقبه منذ البداية.

وفي زاوية بعيدة عنهم، وقف شخص مجهول، عينيه تتابعانهم ببرود.

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم تمتم بصوت خافت، أشبه بهمس الرياح:

"وأخيرًا... الدب خرج من مخبئه."