الفصل الثاني
دقيقتان قراءة · 273 كلمة
وريثات العرش المتصدع
في القاعة الكبرى، حيث تتوسطها طاولة من خشب السنديان المعتق، جلست سيرينا كقائد عسكري يراجع خططه قبل المعركة. أمامها، جلست بناتها الثلاث، اللواتي تجاوزن الأربعين، لكنهن في حضرة أمهن كنَّ يبدين كفتيات صغيرات ينتظرن التوجيه أو التوبيخ.
كانت هند، الابنة الكبرى، تجلس بظهر مستقيم كالسيف، ترتدي بذلة رسمية حتى في المنزل، وعيناها لا تفارقان شاشة هاتفها تتابع مؤشرات البورصة وأعمال ابنتها ليلى. أما نادين، الابنة الوسطى، فكانت تفوح منها رائحة أرقى العطور الفرنسية، منشغلة بمرآتها الصغيرة وبشرتها، تضحك بخفة وهي تتحدث عن الحفلة التنكرية القادمة. بينما كانت مريم، الصغرى، تجلس بهدوء، عيناها ممتلئتان بالدموع المكتومة، تفرك يديها بتوتر وهي تفكر في ابنتها "ياسمين" التي تحطم زواجها مؤخراً.
ضربت سيرينا بعصاها على الأرض فجأة، فاهتز السكون وسكنت الحركات. قالت سيرينا بنبرة حادة كالشتاء اللبناني:
"انظرن إلى أنفسكن.. واحدة تبيع حياتها للأرقام، وثانية تشتري الوهم بالمساحيق، وثالثة تذوب كالشمعة من العجز. هل هذه هي الأمانة التي تركتها لكنَّ؟"
رفعت هند رأسها وقالت بصلابة: "يا أمي، نحن نساء قويات كما ربيتنا، ابنتي ليلى هي الأنجح في جيلها!"
قاطعتها سيرينا بضحكة مريرة: "النجاح الذي يسرق النوم من الجفون يا هند هو قيدٌ وليس فخراً. وبناتكِ يا نادين، هل سألتهن يوماً عما يشعرن به خلف الصور الزائفة؟ أما أنتِ يا مريم، فالحنان بلا حزم هو الذي جعل ياسمين تعود إلينا مكسورة الجناح."
ساد صمت ثقيل، غلفت فيه نظرات سيرينا بناتها بشيء من القسوة المغلفة بالحب. أردفت قائلة:
"هذا القصر لن يكون فندقاً لقضاء العطلة، بل سيكون مدرسةً لترميم ما أفسدتموه. الحفيدات السِت سيبقين تحت إمرتي، ومن تعترض منكنَّ فلتغادر البوابة الآن.. وحيدة."
تبادلت البنات الثلاث نظرات مشوبة بالخوف والتبجيل. أدركن أن "إمبراطورية سيرينا" قد أعلنت حالة الطوارئ، وأن الصيف القادم لن يشبه أي صيف مضى.