إمبراطورية الجدةبقلم لُہجہيہن 🥀?🇱🇾? فصل 1

الفصل الاول

دقيقتان قراءة · 256 كلمة

كان القصرُ الرابضُ فوق قمة الجبل اللبناني يشبهُ حارساً أزلياً لا ينام، جدرانه الحجرية العريضة تحكي قصص عقودٍ مضت، ونوافذه الطويلة المقوسة تطلُّ على المدى وكأنها عيونٌ تراقبُ تقلباتِ الزمن. في الداخل، كان الصمتُ فخماً، لا يقطعهُ إلا رنينُ ساعة الحائط الخشبية وتكتكاتها الرتيبة.

في جناحها الخاص، كانت سيرينا تجلسُ أمام مرآتها الأبنوسية. لم تكن التجاعيدُ التي ارتسمت حول عينيها علامةً على الوهن، بل كانت خريطةً من الحكمةِ والصبر. مشطت شعرها الفضي بعناية، ووضعت قرطاً من اللؤلؤ الحر، ثم وقفت بشموخٍ لا تملكهُ إلا امرأة صهرتها الأيام ولم تكسرها.

التفتت إلى الخادمة وقالت بصوتٍ عميق، رخيم، يحمل في طياته هيبة الجبال:

"اليوم تعودُ الطيورُ المهاجرة إلى أعشاشها.. جهزي غرف الحفيدات، فالانكسارُ الذي يغطينَهُ بالمساحيق لن يمرَّ على عينيّ مرور الكرام."

خارج القصر، كانت السيارات تصعد الطريق المتعرج. في إحدى السيارات، كانت ياسمين (الحفيدة الخامسة) تمسكُ بورقة طلاقها بِيَدٍ ترتجف، وتنظرُ إلى القصرِ وكأنه ملجؤها الأخير. كانت تخشى نظرة أمها، لكنها كانت تتوقُ لارتمائها في حضن جدتها سيرينا؛ الحضن الوحيد الذي يعرفُ أن النهاية ليست دائماً هزيمة.

وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تضغطُ على عجلة القيادة بتوتر، وعقلها يغلي بمشاريع العمل المنهكة، بينما تكتفي سارة بجانبها بالتقاطِ صورٍ "سيلفي" للقصر، محاولةً إقناع متابعيها بأن حياتها مثالية، بينما كان الفراغُ ينهشُ روحها من الداخل.

اجتمعت الحفيدات الست عند البوابة الحديدية الضخمة. ساد صمتٌ ثقيل، تملؤه نظراتٌ تائهة. فُتحت الأبوابُ ببطء، لتظهر سيرينا واقفةً في نهاية الرواق الطويل، مسندةً يدها على عصاها المرصعة بالفضة، وقالت جملتها التي نزلت عليهن كالدستور:

"أهلاً بكنَّ في بيتِ لا يُهزم فيه أحد.. ضعنَ أقنعتكنَّ عند الباب، ففي حضرة سيرينا، لا مكانَ إلا للحقيقة."