الفصل الثاني -إزاحة الستار-
4 دقائق قراءة · 627 كلمة
كنتُ غارقةً في أحزاني بعد خروج أمي.
فجأة قرّرت أن أنسى حزني وألمي، مع أنني أعلم أنني لن أنساهما. فتحت كتبي المدرسية وبدأت أذاكر، حتى غلبني النعاس فغفوت.
في اليوم التالي، ذهبت إلى المدرسة كأي يومٍ عادي. لكنني كنت قد اجتمعت أنا وصديقاتي في الساحة، واتفقنا أن نرتدي الوشاحات التي كرّمتنا بها المدرسة في العام الفائت.
عدتُ إلى المنزل سعيدة، وصعدت إلى غرفتي، وكان والداي – كعادتهما – لم يأتيا بعد. بدّلت ملابسي وطلبت من روز أن تُحضِر لي طعامي، ثم تذكّرت أمر الوشاح، فقلت:
— روز، أين وشاحي الذي أعطتني إياه المدرسة العام الفائت؟
قالت روز وهي تضع الطعام على الطاولة:
— آه، صحيح… الوشاح ذو اللون الأزرق الغامق، أليس كذلك؟
— نعم.
قالت بتوتر:
— سامحيني آنستي، فقد ظننت أنكِ لا تريدينه.
— لا بأس، أين وضعته من فضلك؟
— في صندوق فوق الدولاب في المخزن.
أنهيت طعامي وركضت إلى المخزن. دخلت، وكانت الغرفة مملوءة بالتراب وشِباك العناكب، فالمخزن كان شبه مهجور. توجهت إلى الدولاب، وحاولت الوصول إلى الصندوق، لكنني كنت قصيرة جدًا، فاضطررت إلى إحضار كرسي والصعود عليه.
بدأت أبحث، وكان الصندوق مفتوحًا من الأعلى، لذا كنت أُدخل يدي لأتفقد محتوياته، لكنني لم أكن أرى جيدًا. وفجأة تهاوى الكرسي وانقلب، فسقطتُ على الأرض، وتساقطت بعض الأشياء من الأعلى… وسقط على رأسي دفترٌ قديم متّسخ.
أمسكت الدفتر، وقد توسخت يداي بسبب التراب المتراكم عليه. مسحته فعطست من شدة الغبار. كان من الواضح أن الدفتر قديم، وقد كُتب عليه:
"مذكراتي"
فتحت الدفتر، وقلت في نفسي:
ترى، هل من الجيد أن أقرأ مذكرات الآخرين؟
لكن الفضول كان قد تملّكني.
مسحت الصفحة الأولى من التراب، فوجدت مكتوبًا عليها:
"اسمي ريما"
أغلقت الدفتر وأنا مندهشة:
إذن هذه لأمي!
ترددت قليلًا، لكنني فتحته مجددًا، وأكملت القراءة…
"اسمي ريما، عمري 11 عامًا، واليوم أهداني والدي دفترًا، وقررت أن أكتب ما أمرّ به في حياتي بصراحة. لطالما تمنيت أن أُخرج الحزن الذي بداخلي…"
كنتُ قد عشتُ بداية حياتي في قرية، وكان منزلنا بجوار منازل أقارب والدي مباشرة، والذين كانوا يكرهون أمي كثيرًا، بحجة أنها ليست من أقاربهم.
سأتحدث قليلًا عن أمي…
أمي فتاة فقيرة، توفيت والدتها – رحمها الله – وهي في الثالثة من عمرها، فعاشت يتيمة الأم. تزوج جدي بامرأةٍ أخرى، لكنها كانت ظالمة، وكانت تضرب أمي وإخوتها.
مع أن أمي لم تكن تحب أن تروي لنا عن ماضيها، فإنها روت لي بعض المواقف. إحداها حين قالت:
"طلبت مني زوجة والدي أن أغسل ملابس إخوتي الصغار، لكنني كنت أغسل الصحون، فقلت لها إنني مشغولة بذلك. كانت تكرهني كثيرًا، وتنتظر أي فرصة لتعاقبني…"
ذهبت إلى والدي، ولا أعلم ماذا قالت له، لكنه جاء إلى المطبخ وقال:
"هكذا تخاطبين خالتكِ يا قليلة الأدب؟"
وأمسكني من شعري، وبدأ يضربني بشدة…
ضربني حتى تخدّر جسدي من شدة الألم، وصرت أزحف على الأرض. وبعد أن تعب من ضربي، رفعت عينيّ فرأيت زوجة أبي تقف عند باب المطبخ وتبتسم بخبث… لن أنسى ذلك الموقف ما حييت.
سألتها:
— ولماذا فعل ذلك يا أمي؟
سكتت برهة، ثم قالت:
— هذا سؤال لن أستطيع الإجابة عليه.
في تلك اللحظة شعرت بالحقد على جدي، وقلت ببراءة:
— ولماذا فعل جدي ذلك يا أمي؟
ابتسمت ابتسامة متصنعة وقالت:
— انسي ما قلت لك.
ورغم كل ما كانت أمي تخبرني به عن جدي – وبالطبع لم تكن تقصد زرع الكراهية – كنت أراه رجلًا طيبًا حنونًا. كنت ألاحظ فيه شيئًا غريبًا… كان يشتري لي كل ما أطلبه، وحتى ملابس العيد كان يصرّ على أن يشتريها بنفسه، وكنت أراه ينظر إليّ بنظرة تأنيب ضمير، وكأنه يقول: سامحيني…
أما زوجة جدي، فقد ماتت حين كان عمري عامين.
في التاسع من شهر يوليو عام 2004 تقريبًا، اتصل خالي بأمي، وأخبرها أن جدي قد سُجن بسبب اتهامه في جريمة نصبٍ واحتيال.
شعرت بحزنٍ يغمرني، وكأن الدنيا لم تعد تسعني. تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني. كنت متوترة جدًا وخائفة على جدي، فقد كان يعاني من مشاكل في القلب… وكنت أخاف أن أخسر الشخص الوحيد الذي أفضفض له آلامي وأحزاني.
وفي العشرين من أغسطس…
حدث ما كنت أخشاه.