إشارات مقلقة
3 دقائق قراءة · 462 كلمة
لم ينم شادي تلك الليلة إلا قليلًا، وحتى عندما أغمض عينيه لم يكن النوم مريحًا. كانت الأفكار تتدافع في رأسه بلا توقف، وكأن عقله يرفض أن يهدأ. كلما حاول أن يقنع نفسه أن ما حدث مجرد وهم، يعود ذلك الصوت في ذاكرته واضحًا كما لو أنه قيل قبل لحظات فقط.
مع أول ضوء للصباح جلس على سريره ببطء، نظر حوله في الغرفة وكأنه يتأكد أن كل شيء طبيعي. الجدار كما هو، المرآة في مكانها، والنافذة ما زالت مفتوحة قليلًا. حاول أن يتنفس بعمق ويقنع نفسه أن ما حدث ليلة أمس كان نتيجة تعب شديد فقط.
قال في نفسه: ربما كنت متوترًا… هذا كل شيء.
نهض من السرير واتجه نحو المرآة، وقف أمامها لحظات طويلة يراقب ملامحه. كان وجهه يبدو مرهقًا وعيناه محمرتين قليلاً من قلة النوم. مرر يده على وجهه ببطء ثم قال بصوت خافت: انتهى الأمر… لن أسمعه مرة أخرى.
لكن في اللحظة التي قال فيها ذلك شعر بشيء غريب، ليس صوتًا هذه المرة، بل شعور خفيف وكأن فكرة ليست له مرت في عقله ثم اختفت بسرعة.
تجاهل الأمر وهز رأسه محاولًا طرد الفكرة.
خرج من الغرفة متجهًا إلى المطبخ، كانت الشقة هادئة تمامًا، حتى صوت الشارع في الخارج كان خافتًا. فتح الثلاجة وأخذ كوب ماء وشربه بسرعة، لكنه لاحظ شيئًا جعله يتوقف.
الكوب كان في يده اليمنى… لكنه لا يتذكر أنه أمسكه بها.
تجمد قليلًا وهو ينظر إلى يده، ثم قال لنفسه بنبرة متوترة: أنا فقط مشتت… هذا طبيعي.
وضع الكوب على الطاولة وحاول أن يتجاهل الأمر، لكن شعورًا غريبًا بدأ يتسلل إلى صدره، شعور بأنه لم يعد متأكدًا تمامًا من كل حركة يقوم بها.
جلس على الكرسي وهو يفكر بما حدث ليلة أمس، حاول أن يتذكر كل كلمة قالها الصوت، كل جملة، كل لحظة. كلما تذكرها أكثر شعر بقلق أكبر.
ثم تذكر جملة واحدة قالها الصوت بوضوح.
"هذه المرة لن أختفي."
ارتجفت يده قليلًا وهو يضعها على الطاولة، وحاول أن يضحك على نفسه ليخفف التوتر.
قال بصوت منخفض: أنا أفقد عقلي فقط… هذا كل شيء.
وفي تلك اللحظة بالضبط… سمعه مرة أخرى.
لم يكن صوتًا مرتفعًا، بل همسة خفيفة داخل رأسه.
"هل أنت متأكد؟"
توقف شادي عن الحركة فورًا، وارتفعت دقات قلبه بسرعة. لم يرد أن يجيب، لم يرد حتى أن يعترف أنه سمعه. جلس ساكنًا وكأنه إذا تحرك سيصبح الأمر أكثر واقعية.
لكن الصوت تابع بهدوء:
"أنت تحاول أن تقنع نفسك أنني غير موجود… لكنك تعرف الحقيقة."
تنفس شادي ببطء محاولًا السيطرة على خوفه، ثم قال داخل عقله وكأنه يتحدث مع نفسه: اتركني وشأني.
جاء الرد فورًا، هذه المرة بنبرة هادئة لكنها حادة.
"لا أستطيع."
سكت الصوت للحظة، ثم أكمل:
"لأن ما سيحدث قريبًا… لن تستطيع مواجهته وحدك."
شعر شادي ببرودة تسري في ظهره، لم يفهم ما يقصده الصوت، لكنه شعر أن هناك شيئًا غير طبيعي ينتظره.
نهض من الكرسي بسرعة وكأنه يريد الهروب من المكان، لكنه توقف فجأة عندما وقع نظره على المرآة الصغيرة المعلقة قرب الباب.
اقترب منها ببطء… ونظر إلى انعكاسه.
كل شيء بدا طبيعيًا.
لكن فجأة… لاحظ شيئًا صغيرًا.
ابتسامة خفيفة جدًا ظهرت على وجهه… واختفت.
المشكلة لم تكن في الابتسامة.
المشكلة أنه لم يشعر أنه ابتسم.