الصوت العائد
4 دقائق قراءة · 606 كلمة
لم تكن الليلة مختلفة عن غيرها، أو هكذا ظن شادي في البداية. كانت المدينة هادئة على غير العادة، والبرد يتسلل ببطء من نافذة الغرفة المفتوحة قليلًا، بينما الضوء الخافت القادم من المصباح يرسم خطوطًا باهتة على الجدار المقابل. كان شادي مستلقيًا على سريره ينظر إلى السقف بلا تركيز، وكأن عقله يريد أن يهرب من كل شيء مر به في الأيام الماضية، من الخيبات الصغيرة، من التعب الذي يسكن صدره، ومن ذلك الشعور الغريب الذي لم يفارقه منذ مدة طويلة.
مرّت دقائق من الصمت، صمت ثقيل حتى إن صوت تنفسه كان يبدو واضحًا في الغرفة. حاول أن يغلق عينيه لينام، لكنه لم يستطع، كان هناك شيء في داخله يقاوم النوم، شيء يجعله يشعر بأن الليل لن يمر بهدوء كما يتمنى. وبينما كان يحاول إقناع نفسه أن كل ما يشعر به مجرد توتر عادي، حدث الشيء الذي جعله يفتح عينيه فجأة ويجلس على السرير وكأن تيارًا باردًا مر في جسده.
لم يكن صوتًا في الغرفة… بل كان داخل رأسه.
صوت هادئ… بارد… مألوف بطريقة مخيفة.
"اشتقت إليك."
تجمّد شادي في مكانه، وشعر بقلبه ينبض بسرعة غير طبيعية، ونظر حوله بسرعة وكأنه يتوقع أن يجد أحدًا يقف في زاوية الغرفة أو خلف الباب. لكن الغرفة كانت كما هي، صامتة، فارغة، لا شيء فيها سوى سريره والمرآة الصغيرة المعلقة على الجدار والستارة التي تتحرك قليلًا مع الهواء البارد.
ابتلع ريقه بصعوبة وهمس لنفسه بصوت خافت: لا… ليس مرة أخرى.
لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة سمع فيها ذلك الصوت، وقت كافٍ ليقنع نفسه أن الأمر انتهى، وأن كل ما حدث كان مجرد ضغط نفسي أو وهم صنعه عقله المتعب. لكنه الآن كان واضحًا أكثر من أي وقت مضى، لم يكن مجرد فكرة عابرة، بل صوت حقيقي يتحدث معه كما لو أن شخصًا يجلس بجانبه تمامًا.
عاد الصوت مرة أخرى، أهدأ هذه المرة وكأنه يعرف جيدًا ما يشعر به شادي.
"ظننت أنك نسيتني."
أغلق شادي عينيه بقوة وحاول أن يتجاهله، حاول أن يقنع نفسه أن الأمر ليس حقيقيًا، لكن الصوت ضحك ضحكة خفيفة داخل رأسه، ضحكة لم تكن مرتفعة لكنها كانت كافية لتزرع قلقًا عميقًا في صدره.
"لا تحاول الهروب… أنت تعرف أنني هنا."
فتح شادي عينيه بسرعة وشعر ببرودة تسري في أطرافه، هذه المرة لم يكن الأمر كما كان في الماضي، في السابق كان الصوت يظهر للحظات قصيرة ثم يختفي وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا، أما الآن فقد كان ثابتًا وواضحًا وكأنه أصبح جزءًا من وعيه لا يمكن تجاهله.
همس شادي بصوت مرتجف قليلًا: ماذا تريد مني؟
ساد صمت قصير داخل رأسه، صمت جعل قلبه ينبض بقوة أكبر، ثم جاء الجواب ببطء شديد، وكأن الصوت يستمتع بالخوف الذي يراه.
"أنا لا أريد شيئًا منك… أنا فقط أريد أن أساعدك."
ارتسمت على وجه شادي ابتسامة متوترة لم تستمر أكثر من لحظة، لأنه كان يعرف شيئًا واحدًا جيدًا، في كل مرة "ساعده" هذا الصوت في الماضي كان هناك شيء سيء يحدث بعدها، شيء يجعله يندم لأنه استمع إليه.
رفع شادي رأسه قليلًا ونظر نحو المرآة المعلقة على الجدار، كانت صورته منعكسة بوضوح تحت الضوء الخافت، عينان متعبتان ووجه يبدو أكبر من عمره بقليل، حدق في نفسه طويلًا وكأنه يحاول أن يتأكد من شيء.
ثم قال ببطء: أنت لست أنا.
لكن الصوت رد فورًا وكأنه كان ينتظر هذه الجملة منذ البداية.
"بل أنا أنت… الجزء الذي كنت تخاف أن تراه."
شعر شادي أن الغرفة أصبحت أضيق فجأة وأن الهواء صار أثقل، ولأول مرة منذ وقت طويل أدرك شيئًا مرعبًا، الصوت لم يعد مجرد فكرة تمر في عقله، الصوت أصبح أقوى… وأقرب… وكأنه بدأ يحتل مكانًا أكبر داخل رأسه.
ثم قال الصوت شيئًا جعل الدم يبرد في عروق شادي.
"هذه المرة لن أختفي."
توقف لحظة قصيرة قبل أن يكمل بهدوء مخيف.
"هذه المرة… سننهي ما بدأناه."
تسارعت أنفاس شادي وهو ينظر مرة أخرى إلى المرآة، حاول أن يبعد نظره لكنه لم يستطع، كان هناك شيء يجبره على التحديق في انعكاسه. ولجزء من الثانية… فقط لجزء من الثانية… أقسم أنه رأى ابتسامة غريبة ترتسم على وجهه.
ابتسامة لم يشعر أنه صنعها.