أرض السفاحينبقلم صدى القارئ فصل 2

الغرباء

5 دقائق قراءة · 825 كلمة

لم يتحرك أبو صالح في البداية. بقي واقفًا أمام الرجال الثلاثة، بينما كان أهل القبيلة خلفه يراقبون المشهد بصمت. لم يكن أحد يعرف من هؤلاء الغرباء، ولا كيف وصلوا إلى الجزيرة دون أن تقترب منهم سفينة أو يسمع أحد أصوات خطواتهم قبل ظهورهم. وحتى يزن، الذي اعتاد أن يطرح الأسئلة في كل موقف، شعر هذه المرة بأن شيئًا في المشهد أكبر من مجرد ثلاثة أشخاص ظهروا في الغابة.

رفع أبو صالح يده بهدوء وقال للرجال: «عودوا إلى بيوتكم». ترددوا للحظات، لكنهم عرفوا أن أبا صالح لا يريد أن يتحول الأمر إلى فوضى، فبدأوا بالابتعاد، وبقي عدد قليل من كبار القبيلة في أطراف الساحة. أما يزن، فلم يتحرك. نظر إليه أبو صالح، لكنه لم يطلب منه الرحيل، ربما لأنه كان يعرف أن الفضول الذي يملأ عينيه لن يسمح له بالعودة إلى منزله أصلًا.

قاد أبو صالح الغرباء إلى مجلسه، وهو بناء حجري قديم يقع في طرف الساحة، تحيط به أشجار الزيتون من ثلاث جهات. كانت الغرفة واسعة، وفي وسطها موقد صغير انطفأت ناره قبل قليل. جلس أبو صالح في صدر المكان، وجلس الرجال الثلاثة أمامه، وظل الصمت بينهم أثقل من الكلام. وبعد لحظات، ثبت أبو صالح عينيه على الرجل الذي تحدث في الخارج وقال: «الآن نحن وحدنا. أخبرني من أنتم».

لم يجب الرجل مباشرة. أخرج من جيبه قطعة صغيرة مستديرة، أشبه بحجر أسود أملس، ووضعها على الطاولة. لم يحدث شيء في البداية، ثم ظهر فوقها ضوء رقيق أخذ يتسع شيئًا فشيئًا، وتشكل في الهواء على هيئة دائرة شفافة ظهرت داخلها خطوط وأشكال متحركة لا تشبه أي شيء عرفه أهل القبيلة من قبل. تقدم أبو صالح قليلًا، لكنه لم يلمسها، وسأل: «ما هذا؟» فأجابه الرجل بهدوء: «خريطة».

حدق أبو صالح في الدائرة المضيئة، وكانت الخريطة تعرض الجزيرة من الأعلى، لكن ما أثار انتباهه لم يكن شكل الجبال أو الساحل، بل الخطوط المضيئة التي كانت تمتد تحت الأرض، كثيرة ومتشابكة، وتصل إلى أماكن مختلفة من الجزيرة. تجمدت ملامح أبي صالح، ثم رفع عينيه إلى الرجل وسأله: «من أين حصلتم على هذه؟» فقال: «من المكان الذي نعيش فيه». لم يفهم أبو صالح، فسأله: «أين؟» عندها تبادل الغرباء النظرات، ثم قال الرجل: «تحتكم».

ساد الصمت. وفي الخارج، كان يزن يقف بالقرب من نافذة المجلس، يحاول سماع ما يدور في الداخل. لم يسمع الكلمات كلها، لكنه التقط الكلمة الأخيرة بوضوح: «تحتكم». تراجع خطوة ونظر إلى الأرض، فتذكر الأصوات التي سمعها طوال سنواته، وتذكر اهتزاز الأرض في الليلة الماضية، وتذكر العلامة المحفورة على الشجرة. أما في الداخل، فبقي أبو صالح ساكنًا للحظات قبل أن يقول: «ماذا تقصد؟»

قال الرجل: «نحن لا نعيش بعيدًا عنكم يا أبا صالح. نحن نعيش أسفل هذه الأرض منذ أجيال». أخذ أبو صالح نفسًا عميقًا، ثم سأله: «ومن أنتم؟» فأجاب الرجل: «نحن من أرض السفاحين». لم يعرف أبو صالح ماذا يقول. كان الاسم غريبًا، لكنه لم يشعر بأنه يسمعه للمرة الأولى؛ شيء ما في داخله تحرك عندما سمعه، كأن الاسم كان موجودًا في مكان قديم من ذاكرته دون أن يعرف مصدره.

قال أبو صالح: «أرض السفاحين؟» فابتسم الرجل ابتسامة قصيرة لم تحمل فرحًا وقال: «هذا هو الاسم الذي بقي معنا». ظل أبو صالح ينظر إليه، ثم سأله: «وهل أنتم سفاحون؟» ولأول مرة تغيرت ملامح الرجل قبل أن يجيبه: «ليس كما تظن». اقترب أحد رفيقيه من الطاولة، وأطفأ الخريطة بحركة بسيطة من يده، فقال الرجل الأول: «الاسم أقدم منا، أقدم من آبائنا وأجدادنا. كان الذين عاشوا هنا قبلنا مختلفين عنّا؛ كانوا يخرجون إلى الأرض ويقاتلون ويقتلون وينهبون ويحرقون، وكانوا يرون القوة في الخوف، ويظنون أن بقاءهم يحتاج إلى دم الآخرين. تغيرت الأجيال، وتغيرنا معها، لكن الاسم بقي».

ظل أبو صالح ينظر إليه، ثم قال: «ولماذا جئتم الآن؟» هذه المرة لم يتردد الرجل، وقال: «لأننا لم نأتِ من أجل التعارف». توقف للحظة، ثم أضاف: «جئنا نحذركم». شعر أبو صالح بثقل الكلمة وسأله: «من ماذا؟» لكن الرجل لم يجب، بل نظر إلى رفيقه ثم أعاد نظره إلى أبي صالح وقال: «هناك شيء استيقظ».

في الخارج، سمع يزن صوتًا خافتًا تحت قدميه. «دوم...» توقف قلبه للحظة، ثم عاد الصوت مرة أخرى: «دوم...» هذه المرة كان أقوى. وفي داخل المجلس، وقف الرجال الثلاثة في اللحظة نفسها. قال أبو صالح: «هذا ما كنتم تتحدثون عنه؟» فأجابه الرجل: «نعم». ثم اقترب من النافذة ونظر إلى الغابة وقال: «منذ سنوات ونحن نراقب العلامات. كنا نعتقد أن لدينا وقتًا أطول». سأله أبو صالح: «علامات ماذا؟» فالتفت إليه الرجل وقال: «عودة شيء كان يجب ألا يعود».

قبل أن يسأله أبو صالح عن المزيد، انطفأت المصابيح في المجلس دفعة واحدة وغرق المكان في الظلام. ثم ظهر ضوء أخضر خافت من القطعة السوداء فوق الطاولة، وكان الضوء يرتجف كأنه يستجيب لشيء يحدث في مكان بعيد. وفجأة ظهرت دائرة صغيرة في الهواء، لكن الخريطة لم تظهر هذه المرة؛ ظهرت صورة لمكان مظلم تتوسطه بوابة ضخمة مغلقة، وعلى سطحها خطوط مضيئة تتحرك ببطء، ثم ظهر خط أحمر واحد أخذ يتسع ويتقدم. قال أحد الغرباء بصوت منخفض: «لم يعد لدينا وقت».

وفي اللحظة نفسها، صدر من أعماق الأرض صوت هائل جعل جدران المجلس ترتجف، وخارج النافذة سقطت إحدى الأشجار القديمة على الأرض. لكن سقوطها لم يكن الشيء الذي جعل يزن يتجمد في مكانه؛ فقد ظهر خلف جذورها، بعد انكشاف التربة، شيء معدني دائري مغطى بالكامل برموز مضيئة. اقترب يزن منه ببطء، ثم سمع صوتًا يأتي من داخله، صوتًا لم يكن صوت إنسان:

«تم تفعيل البوابة.»