تحت أقدامنا
5 دقائق قراءة · 818 كلمة
لم تكن الجزيرة تظهر على الخرائط التي يعرفها الناس، ولم تكن السفن العابرة للبحار تقترب منها إلا نادرًا. كانت تقع بعيدًا عن طرق الملاحة، تحيط بها مياه زرقاء عميقة تمتد حتى يلامس لونها الأفق، وتتناثر حول شواطئها صخور سوداء صقلتها الأمواج على مدى سنوات طويلة. وفي الصباح، حين تشرق الشمس من خلف البحر، كانت أشعتها الذهبية تنسكب فوق الأشجار العالية وتوقظ الطيور المختبئة بين أغصانها، بينما يتصاعد الضباب الخفيف من أطراف الغابة وكأنه ستار يفتح ببطء على يوم جديد.
عاش أهل القبيلة في وسط الجزيرة منذ أجيال طويلة. لم تكن حياتهم تشبه حياة المدن البعيدة؛ لا طرق واسعة ولا مبانٍ شاهقة ولا آلات تملأ المكان بالضجيج. كانت بيوتهم مبنية من الحجارة والخشب، تتوزع حول ساحة واسعة يجتمع فيها الرجال عند المساء، وحولها ممرات ترابية تقود إلى الحقول والآبار والغابة. وكان لكل بيت شجرة يعرفها أهله، ولكل طريق حكاية، ولكل صخرة قديمة اسم يتناقله الناس كما لو أنها جزء من تاريخ القبيلة.
كان أبو صالح هو الرجل الذي يرجع إليه الجميع في الأمور الكبيرة. لم يكن يحتاج إلى رفع صوته حتى يصمت الآخرون، فقد كان حضوره وحده كافيًا ليجعل الرجال ينصتون. تجاوز الخمسين بقليل، وترك الزمن على وجهه ملامح رجل عاش سنوات طويلة وهو يتحمل مسؤولية الآخرين. وكان يعرف الجزيرة شبرًا شبرًا، من الشاطئ الصخري في الجنوب إلى الغابة الكثيفة في الشمال.
أما يزن، فكان واحدًا من شباب القبيلة الذين اعتادوا الخروج إلى أطراف الجزيرة للصيد وجمع الحطب. كان في بداية شبابه، سريع الحركة، كثير الأسئلة، ولا يرضى بسهولة عن الإجابات التي يسمعها من كبار السن. وكان أكثر ما يثير فضوله شيئًا لم يجد له تفسيرًا طوال سنوات حياته.
الأصوات التي تأتي من الأرض.
لم تكن تحدث كل يوم، وأحيانًا تمر أشهر دون أن يسمعها أحد. لكن في بعض الليالي الهادئة، حين ينام معظم أهل القبيلة وتصبح الجزيرة غارقة في الظلام، كان صوت خافت يصل من أعماق الأرض. يشبه في بدايته دويًا بعيدًا، ثم يتحول إلى اهتزاز قصير تشعر به الأقدام قبل أن تسمعه الآذان.
كان الكبار يقولون إنها حركة الصخور.
ويقول آخرون إن البحر يتسلل تحت الجزيرة.
لكن يزن لم يقتنع بأي من ذلك.
في إحدى الليالي، خرج من منزله بعدما شعر بذلك الاهتزاز مرة أخرى. كانت السماء صافية، والقمر معلقًا فوق الأشجار، والنجوم منتشرة حوله كحبات ضوء صغيرة لا نهاية لها. توقّف قرب الساحة، ووضع يده على الأرض.
لم يسمع شيئًا.
ثم عاد الصوت.
دوم...
اهتزت الأرض تحت يده اهتزازًا خفيفًا.
رفع رأسه ونظر حوله. لم يكن هناك أحد في الطريق، لكن شيئًا غريبًا حدث في اللحظة نفسها؛ انطفأت شعلة أحد المصابيح القريبة رغم عدم وجود رياح، ثم عادت للاشتعال بعد ثوانٍ.
بقي يزن واقفًا مكانه.
هذه المرة لم يكن الصوت يشبه حركة صخرة.
كان أقرب إلى شيء... يعمل.
في صباح اليوم التالي، لم يتحدث يزن مع أحد. خرج كعادته إلى أطراف الغابة، لكن شيئًا في داخله كان يدفعه إلى المكان الذي سمع فيه الصوت. كان ذلك المكان يقع بعيدًا عن البيوت، بين أشجار ضخمة تعود جذوعها إلى عشرات السنين، وقد غطت جذورها الأرض حتى بدت كأنها أصابع عملاقة خرجت من التراب.
وبينما كان يمشي، لاحظ شيئًا لم يره من قبل.
على جذع شجرة قديمة، كانت هناك ثلاثة خطوط محفورة في الخشب، متوازية ودقيقة بشكل غريب.
اقترب منها ومد أصابعه.
لم تكن العلامة جديدة.
لكنها لم تبدُ أيضًا كأثر طبيعي.
ظل يتأملها للحظات، ثم سمع صوتًا خلفه.
— ماذا تفعل هنا؟
استدار بسرعة.
كان أبو صالح واقفًا على بعد خطوات منه.
ابتسم يزن محاولًا إخفاء ارتباكه.
— لا شيء... كنت أتفقد المكان.
اقترب أبو صالح من الشجرة، ونظر إلى العلامة دون أن يلمسها. تغيرت ملامح وجهه للحظة، لكن يزن لاحظ ذلك.
— تعرف هذه العلامة؟
صمت أبو صالح قليلًا.
— لا.
كان الجواب سريعًا أكثر مما ينبغي.
نظر إليه يزن باستغراب.
— متأكد؟
رفع أبو صالح عينيه إليه.
— قلت لك لا أعرفها.
ثم ابتعد عن الشجرة، وقال بنبرة أكثر جدية:
— ارجع إلى القرية.
لم يتحرك يزن.
— لماذا؟
توقف أبو صالح، لكنه لم يلتفت.
— لأن بعض الأشياء، يا يزن، من الأفضل ألا نحاول معرفة أسرارها قبل أن تبحث هي عنا.
بقيت الجملة معلقة في الهواء بعد رحيله.
وفي تلك الليلة، تغير كل شيء.
كانت القبيلة تستعد للنوم عندما ظهر ضوء غريب بين الأشجار في الجهة الشرقية من الجزيرة. لم يكن ضوء نار، ولا مصباحًا، ولا ضوء قمر. كان أبيض شديد الصفاء، ظهر للحظات ثم اختفى.
وبعد دقائق، ظهر مرة أخرى.
هذه المرة كان أقرب.
خرج أبو صالح من منزله بعدما سمع أصوات الرجال في الساحة، وتجمع أهل القبيلة عند أطراف القرية. كان الجميع ينظرون إلى الغابة بصمت.
ثم ظهر ثلاثة أشخاص.
خرجوا ببطء من بين الأشجار.
لم يعرف أحد من أين جاؤوا.
كانوا يرتدون ملابس غريبة لم يرَ أهل القبيلة مثلها من قبل، داكنة اللون، متناسقة بشكل غير مألوف، وتحيط بأجسادهم قطع معدنية صغيرة ينبعث منها ضوء خافت. لم يحملوا سيوفًا أو بنادق، ومع ذلك لم يكن في طريقة وقوفهم ما يوحي بأنهم خائفون.
تقدم أحدهم خطوة.
تبادل رجال القبيلة النظرات، وبدأ بعضهم يقترب بحذر.
لكن الغريب لم ينظر إليهم طويلًا.
كانت عيناه تبحثان عن شخص واحد.
ثم قال بصوت هادئ:
— من المسؤول عن هذه القبيلة؟
ساد الصمت.
نظر الجميع إلى أبي صالح.
تقدم أبو صالح من بين الرجال، وثبت نظره على الغرباء.
— أنا.
نظر الرجل إليه للحظات، ثم قال:
— نحتاج إلى أن نتحدث معك... وحدك.
لم يجب أبو صالح فورًا.
وفي الوقت الذي كانت فيه عيون أهل القبيلة معلقة على الغرباء، اهتزت الأرض تحت أقدامهم اهتزازًا خفيفًا.
مرة واحدة.
ثم مرة ثانية.
رفع يزن رأسه.
أما أحد الغرباء، فتغير وجهه للمرة الأولى.
نظر إلى الأرض وكأنه سمع شيئًا يعرفه جيدًا.
ثم همس:
— لقد بدأ.