رماد الشيطانبقلم صدى القارئ فصل 2

الماضي الأرخص

5 دقائق قراءة · 928 كلمة

لم يتحرك حسون من مكانه. بقي واقفا أمام آثار الأقدام التي توقفت على بعد خطوات منه، بينما كان قلبه يخفق بسرعة لم يستطع إخفاءها عن نفسه. أدار رأسه ببطء نحو الجهة التي جاء منها الصوت، فلم ير أحدا. المكان كان هادئا بشكل غير طبيعي، لا سيارات، لا أصوات بشر، وحتى الريح التي كانت تحرك أغصان الأشجار قبل لحظات اختفت فجأة. رفع جهازه الصغير أمامه، فظهرت على شاشته مجموعة من القراءات المتذبذبة. لم يكن الجهاز مصمما للكشف عن الأشخاص، لكنه التقط شيئا آخر؛ بقايا اضطراب في المجال الزمني، ضعيفا جدا لكنه موجود.

قال بصوت منخفض: "مين أنت؟"

لم يأته جواب.

انحنى حسون قليلا ونظر إلى الرماد الأسود الموجود أمامه. كان لا يزال في مكانه، لم تلمسه الرياح، ولم يختلط بالطين رغم أن الأرض من حوله كانت رطبة. تذكر الرسالة الحمراء التي ظهرت على جهازه: لا تلمس الرماد. مد يده نحوه، ثم توقف قبل أن تلامسه أصابعه. لم يكن يخاف من الرماد نفسه، بل من السؤال الذي بدأ يكبر في رأسه: لماذا كان هذا الشيء موجودا هنا قبل أن يصل هو؟

وفجأة، سمع صوتا من خلفه.

"لو كنت مكانك، ما كنت ألمسته."

استدار حسون بسرعة، فرأى رجلا يقف على بعد عدة أمتار. كان في أواخر الخمسينيات تقريبا، يرتدي معطفا داكنا بسيطا، وملامحه عادية إلى درجة يصعب معها تذكرها. لم يكن يحمل شيئا، ولم تكن على ملابسه علامات تدل على أنه كان يسير تحت المطر، مع أن الأرض من حوله مبللة.

حدق حسون فيه لثوان، ثم قال: "إنت اللي حكيت قبل شوي؟"

أجاب الرجل بهدوء: "نعم."

"كيف عرفت اسمي؟"

لم يجب الرجل مباشرة. نظر إلى الجهاز الموجود في يد حسون، ثم إلى الرماد، وبعدها قال: "لأنك مش أول واحد يوصل لهون."

تجمد حسون في مكانه.

"شو قصدك؟"

اقترب الرجل خطوة واحدة فقط، ثم توقف.

"قصدي إنك لازم تسأل السؤال الصحيح."

"وأي سؤال هو؟"

نظر الرجل في عينيه وقال: "مش كيف عرفت اسمك... السؤال هو: مين كتب اسمك قبل ما توصل؟"

شعر حسون ببرودة تسري في جسده. لم يفهم الجملة، لكنه فهم شيئا واحدا؛ الرجل يعرف أكثر مما ينبغي.

أخرج حسون من جيبه ورقة صغيرة كان قد كتب عليها قائمة مشترياته، ثم أعادها بسرعة عندما تذكر أنه لا يريد أن يلفت الانتباه إلى أي شيء غير طبيعي. قال: "أنا جاي لهون لسبب بسيط."

ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.

"بعرف."

"كيف؟"

"لأنك ما جيت تنقذ العالم."

صمت حسون.

أضاف الرجل: "جيت تشتري أشياء."

اتسعت عينا حسون. هذه المرة لم يجد حتى جملة مناسبة يرد بها. لم يكن قد أخبر أحدا في المستقبل عن السبب الحقيقي للرحلة سوى المسؤول عن المختبر، وحتى ذلك الرجل لم يكن يعرف تفاصيل قائمته.

تراجع حسون خطوة.

"مين إنت؟"

قال الرجل: "اسمي ما رح يفيدك حاليا."

"بس إنت بتعرف اسمي، وبتعرف ليش جيت، وبتعرف عن الرماد. وأنا ما بعرف عنك أي شيء."

"وهذا بالضبط سبب إنك لازم تروح."

وأشار بيده نحو الطريق.

"وصل للمدينة. اعمل اللي جاي عشانه. اشتر أغراضك. وتصرف كأنك شخص عادي. إذا رجعت لهون قبل الوقت المحدد، يمكن ما تلاقيني."

"وإذا ما رجعت؟"

نظر الرجل إلى الرماد.

"يمكن الرماد يلاقيك."

لم تعجب حسون الإجابة، لكنه كان يعرف أن البقاء في هذا المكان لن يعطيه شيئا. نظر إلى جهازه، فوجد أن استقرار الممر الزمني بدأ ينخفض ببطء. كان عليه أن يتحرك.

وقبل أن يغادر، التفت نحو الرجل وقال: "آخر سؤال."

"اسأل."

"مين كتب اسمي؟"

بقي الرجل صامتا لعدة ثوان، ثم قال: "شخص كان يعرف إنك رح تجي."

"من المستقبل؟"

لم يجب الرجل. اكتفى بالنظر إليه، ثم قال: "لا تثق بكل شيء بتتذكره عن المستقبل."

كانت تلك الجملة أثقل من كل ما قاله قبلها.

بدأ حسون يمشي باتجاه الطريق، لكنه لم يستطع منع نفسه من الالتفات بعد عدة خطوات. كان الرجل لا يزال واقفا مكانه. وفي اللحظة التي التقت فيها أعينهما، انطفأت شاشة الجهاز في يد حسون لثانية واحدة، ثم عادت للعمل.

وحين رفع رأسه مرة أخرى، لم يكن الرجل هناك.

وصل حسون إلى الطريق بعد وقت قصير. كانت السيارات تمر بشكل طبيعي، والناس يمشون على الأرصفة، والمحلات مفتوحة، والهواتف في أيدي الجميع. بالنسبة للناس هنا، كان هذا يوما عاديا من عام 2026. أما بالنسبة إليه، فقد كان ينظر إلى الماضي للمرة الأولى بعين شخص يعرف شيئا عن المستقبل الذي لم يأت بعد.

دخل أول متجر صادفه. أخذ سلة صغيرة وبدأ يضع فيها الأشياء التي جاء من أجلها. أسعار الطعام، الملابس، الأدوات المنزلية وحتى بعض الأدوية كانت أقل بكثير مما اعتاد عليه في 2097. للحظة شعر أنه حقق هدفه فعلا. ابتسم وهو ينظر إلى الفاتورة التي كان يمكن أن تكلفه في المستقبل أضعاف هذا المبلغ.

لكن فرحته لم تستمر طويلا.

بينما كان ينتظر دوره عند الصندوق، وقعت عيناه على شاشة معلقة فوق الموظف. كانت تعرض أخبارا عادية عن حركة المرور والطقس وبعض الأحداث اليومية. ثم ظهر خبر قصير في أسفل الشاشة.

توقف حسون عن الحركة.

قرأ الجملة مرة ثانية.

ثم ثالثة.

لم يكن الخبر عن كارثة أو حرب أو حدث تاريخي كبير. كان خبرا محليا صغيرا عن حريق غامض وقع في منشأة صناعية قبل أيام، وأن التحقيقات لا تزال جارية لمعرفة سبب اشتعال المادة الموجودة في المكان.

لكن الصورة المرافقة للخبر كانت واضحة.

رماد أسود.

نفس الرماد الذي رآه قبل ساعات.

شعر حسون بأن أصابعه بردت حول مقبض السلة.

رفع هاتفه، ثم تذكر أنه لا يستطيع استخدام أي تقنية من المستقبل بشكل واضح. اكتفى بتصوير الخبر بطريقة عادية، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه.

في تلك اللحظة، سمع صوتا خلفه.

"أول مرة بتزور البلد؟"

التفت حسون، فوجد رجلا في منتصف الثلاثينيات يبتسم له بشكل عادي.

أجاب حسون: "آه... تقريبا."

قال الرجل: "واضح."

"واضح شو؟"

ضحك الرجل وقال: "لأنك بتطلع على الأسعار كأنك شايف كنز."

ابتسم حسون رغم توتره.

"يمكن معك حق."

دفع ثمن مشترياته وخرج من المتجر. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، لكنه لم يعد يفكر في الأشياء التي جاء ليشتريها. كان يفكر في جملة الرجل الغريب، وفي الخبر الذي ظهر أمامه، وفي السؤال الذي أصبح يطارده منذ وصوله.

إذا كان الرماد موجودا في 2026...

فلماذا كانت ملفات المستقبل تقول إن «رماد الشيطان» بدأ بعد سنوات من ذلك؟

توقف حسون وسط الشارع.

أخرج جهازه الصغير ونظر إلى الشاشة.

ظهرت عليه رسالة جديدة لم تكن موجودة قبل دقائق:

تغير في التسلسل الزمني.

ظل يحدق فيها دون أن يرمش.

ثم ظهرت رسالة ثانية:

النقطة الأولى حدثت قبل وصولك.

وأخيرا ظهرت جملة ثالثة جعلته يشعر بأن كل ما جاء من أجله لم يعد مهما:

حسون ليس أول زائر من المستقبل.