رماد الشيطانبقلم صدى القارئ فصل 1

القادم من الغد

7 دقائق قراءة · 1,368 كلمة

لم يكن حسون يكره المستقبل، لكنه لم يعد يحبه كما كان يتخيله في طفولته. عندما كان صغيرا، كان يسمع والده يتحدث عن السنوات القادمة وكأنها ستجلب للبشر حياة أسهل وأفضل؛ مدن أكثر تطورا، أجهزة تقوم بكل شيء، علاج للأمراض التي كانت تعتبر مستعصية، وسيارات لا تحتاج إلى سائق. كان حسون يصدق تلك الحكايات، وكان يعتقد أن التقدم يعني بالضرورة أن تصبح حياة الإنسان أرخص وأسهل. لكنه عندما وصل إلى عام 2097 اكتشف أن المستقبل منح البشر أشياء كثيرة، وأخذ منهم أشياء أخرى لم ينتبهوا إلى قيمتها إلا بعد فوات الأوان.

كان يقف داخل متجر آلي، ينظر إلى شاشة الأسعار أمامه بصمت. لم يعد في المتاجر موظفون كما كان يحدث في الماضي، ولم يعد الزبون بحاجة إلى الوقوف عند صندوق الدفع. كل شيء كان يعمل بواسطة أنظمة ذكية تتعرف على الشخص، وتسجل ما يختاره، ثم تخصم المبلغ من حسابه مباشرة. مد حسون يده نحو علبة صغيرة من الطعام، قرأ سعرها، ثم أعادها إلى مكانها. انتقل إلى الرف التالي، فوجد السعر أعلى مما توقع. تنهد وأخرج جهاز الدفع من جيبه، ثم أعاده دون أن يشتري شيئا.

رفع رأسه نحو الواجهة الزجاجية للمتجر. كانت المدينة تمتد أمامه في طبقات من الضوء؛ أبراج شاهقة، مركبات ذاتية القيادة تتحرك بصمت، طائرات صغيرة تمر بين المباني، وشاشات ضخمة تعرض إعلانات لمساكن فاخرة وخدمات طبية لا يستطيع معظم الناس تحمل تكلفتها. لم يكن هناك انهيار واضح، ولا حرب، ولا خراب كما كانت الأفلام القديمة تتخيل المستقبل. كان كل شيء يعمل بصورة طبيعية، وهذه كانت المشكلة. العالم لم ينهَر فجأة، بل تغير ببطء حتى أصبح الإنسان يعيش داخل نظام لا يستطيع الخروج منه.

اقترب منه رجل مسن كان يحمل كيسا صغيرا، ونظر إلى الشاشة التي كان حسون يحدق فيها، ثم قال بابتسامة ساخرة: "أيام زمان كانت الحياة أرخص." التفت حسون إليه وسأله: "أي زمان؟" أجاب الرجل: "زمانكم القديم." ابتسم حسون وقال: "أنا أيضا أبحث عن ذلك الزمان." نظر الرجل إليه باستغراب، لكنه لم يفهم معنى كلامه، ثم ابتعد. بقيت الجملة في ذهن حسون. لم يكن الرجل يعرف أن أمامه شخصا يفكر فعلا في العودة إلى ذلك الماضي الذي تحدث عنه.

عاد حسون إلى شقته في المساء، ووضع حقيبته فوق الطاولة. لم تكن الشقة كبيرة، فقد أصبح السكن الواسع امتيازا لا يملكه إلا أصحاب الدخل المرتفع. جلس أمام النافذة، وأخذ يراقب المدينة بينما كانت الأضواء تزداد في الخارج. كان يعمل منذ سنوات في قسم سري للأبحاث الزمنية، وهو قسم لا يعرف عامة الناس بوجوده. لم يكن السفر عبر الزمن شيئا متاحا للجميع، ولم تكن هناك آلة بسيطة يستطيع أي شخص الدخول إليها والعودة متى شاء. كانت التجارب تعتمد على ظروف فيزيائية معقدة تتعلق بالزمكان والطاقة والجاذبية، وكان الوصول إلى الماضي محدودا جدا، لأن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى وصول المسافر إلى زمن أو مكان مختلف عن الهدف.

كان المشروع في بدايته بحثا علميا بحتا، ثم أصبح حسون أحد الباحثين الذين شاركوا في تطويره. اكتشف الفريق أن إنشاء ممر زمني قصير أصبح ممكنا نظريا في ظروف محددة، لكن الممر لا يبقى مستقرا إلا لفترة محدودة، ولا يمكن استخدامه بشكل عشوائي. كان عليهم تحديد نقطة زمنية ومكانية بدقة، ثم توفير مقدار هائل من الطاقة لفتح الممر وإغلاقه قبل أن ينهار. والأهم من ذلك أن العودة لم تكن مضمونة إذا خرج المسافر عن الشروط المحددة.

لم يكن حسون يريد استخدام التكنولوجيا لتغيير التاريخ أو تحقيق شيء خارق. في البداية كانت فكرته أبسط بكثير. كان يريد العودة إلى الماضي وشراء بعض الأشياء التي أصبحت باهظة الثمن في زمنه، ثم العودة بها إلى المستقبل. الفكرة بدت ساخرة عندما عرضها على أحد زملائه، لكن حسون كان قد بدأ يلاحظ مشكلة أكبر من مجرد ارتفاع الأسعار. خلال العقود الماضية، ارتفعت تكاليف الغذاء والماء والطاقة والسكن بصورة متواصلة، وأصبحت بعض المواد التي كانت متوفرة بكثرة في القرن الحادي والعشرين نادرة أو مكلفة جدا في زمنه.

كان يعرف أن العودة إلى الماضي تحمل خطرا كبيرا. أي تدخل قد يغير سلسلة الأحداث التي أدت إلى المستقبل الذي يعرفه. لذلك وضع لنفسه قواعد واضحة: لن يقترب من أحداث تاريخية مهمة، لن يستخدم التكنولوجيا المستقبلية أمام الناس، لن يخبر أحدا بأنه قادم من المستقبل، ولن يأخذ معه شيئا يمكن أن يغير مسار التطور بصورة مباشرة. سيعود إلى عام 2026، يشتري ما يحتاج إليه من أشياء عادية، ثم يعود قبل أن يتغير شيء.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

خلال أبحاثه، اكتشف حسون شيئا لم يكن موجودا في التقارير الرسمية. كان هناك حدث غامض في تاريخ المستقبل أطلق عليه الباحثون اسم رماد الشيطان. لم يكن الاسم رسميا في البداية، بل ظهر في وثائق قديمة تتحدث عن سلسلة أحداث بدأت في القرن الحادي والعشرين، ثم امتدت آثارها لعقود طويلة. المشكلة أن المعلومات المتعلقة بالحدث كانت ناقصة، وبعض الملفات اختفت تماما، بينما كانت الملفات المتبقية تحتوي على إشارات متناقضة جعلت حسون عاجزا عن معرفة الحقيقة.

كل ما عرفه أن عبارة "رماد الشيطان" ستظهر لاحقا في التاريخ، وأنها مرتبطة بتغيرات خطيرة حدثت في العالم. لم يعرف حسون هل كان المقصود كارثة طبيعية، تجربة علمية، مادة مجهولة، أم اسما أطلقه الناس على شيء لم يستطيعوا تفسيره. حاول البحث أكثر، لكن معظم السجلات المتعلقة بالحدث كانت محجوبة، وبعضها كان مصنفا على أنه غير قابل للعرض.

ومع ذلك، لم يربط حسون في البداية بين تلك القصة ورحلته إلى الماضي.

في الليلة التي سبقت السفر، جهز حقيبته بعناية. وضع فيها كمية محدودة من النقود المتداولة في عام 2026، بعد أن حصل عليها من أرشيف العملات القديمة، وملابس مناسبة لذلك الزمن، وجهازا صغيرا لتحديد موقع الممر الزمني وقياس استقرار الزمن، إضافة إلى قائمة بالأشياء التي يريد شراءها. لم يحمل معه أسلحة، ولم يأخذ أجهزة متطورة يمكن أن تلفت الانتباه. كان هدفه أن يبدو مثل أي شخص عادي عاد من رحلة طويلة.

وقبل منتصف الليل بقليل، وصل إلى المختبر السري. كانت الغرفة واسعة، وفي وسطها منصة دائرية محاطة بأجهزة ضخمة. على الشاشات ظهرت الحسابات الخاصة بالممر الزمني، وكان التاريخ المستهدف واضحا أمامه.

2026.

اقترب المسؤول عن التجربة منه وقال: "إذا دخلت الآن، فلن تستطيع العودة قبل الموعد المحدد. الممر سيعاد فتحه في النقطة نفسها بعد عدة ساعات فقط، وإذا لم تكن موجودا عندها فلن نستطيع ضمان وصولك إلى الزمن الصحيح."

أومأ حسون برأسه وقال: "أعرف."

قال الرجل: "وهناك شيء آخر. لا تتدخل في أي حدث غير ضروري."

ابتسم حسون وقال: "أنا ذاهب لأشتري بعض الأشياء، وليس لتغيير التاريخ."

نظر الرجل إلى عينيه للحظات، ثم قال: "أتمنى أن يبقى الأمر كذلك."

دخل حسون إلى المنصة، وأغلقت الأبواب من حوله. بدأت الأجهزة تعمل، وانخفضت الإضاءة في الغرفة. شعر بضغط شديد يحيط بجسده، ثم بدأ الهواء أمامه يتشوه كما لو أن سطحا شفافا قد تعرض لموجات متتالية. لم يسمع صوتا واضحا، لكنه شعر باهتزاز عميق داخل صدره. للحظات ظهرت أمامه صور خاطفة لا يعرف إن كانت حقيقية أم مجرد نتيجة للاضطراب؛ مدينة لا يعرفها، شارع قديم، طفل يركض تحت المطر، ثم ومضة نار سوداء ابتلعت كل شيء.

أغمض عينيه.

وعندما فتحهما، كان مستلقيا على الأرض.

لم يسمع أصوات الأجهزة.

لم ير شاشات المختبر.

لم يكن هناك أحد حوله.

رفع رأسه ببطء، وشعر برائحة التراب والرطوبة في الهواء. كانت السماء فوقه مظلمة، والنجوم واضحة بصورة لم يرها منذ سنوات. نظر إلى الجهاز الموجود في يده، فظهرت أمامه البيانات التي كان ينتظرها.

التاريخ: 2026.

ابتسم حسون، ثم جلس قليلا ليستعيد توازنه. كان قد وصل إلى الماضي بنجاح.

أغلق الجهاز ووضعه في حقيبته، ثم نهض. لم يكن المكان مدينة ولا شارع مزدحما، بل منطقة هادئة اختيرت بعيدا عن الناس حتى لا يلاحظ أحد ظهوره. كان عليه أن يصل إلى أقرب طريق، ثم يتوجه إلى المدينة ويبدأ مهمته. كل شيء كان يسير كما خطط له.

لكن قبل أن يخطو أكثر من خطوات قليلة، سمع صوتا بين الأشجار.

توقف.

استمع.

كانت هناك خطوات بطيئة تقترب ثم تتوقف.

مد يده إلى حقيبته وأمسك الجهاز، لكنه لم يشغله. قال بصوت منخفض: "مين هناك؟"

لم يجبه أحد.

تقدم بحذر نحو مصدر الصوت، ثم رأى شيئا أسود على الأرض. انحنى قليلا ونظر إليه. كان رمادا ناعما، أسود بشكل غير طبيعي، ولا توجد حوله آثار حريق أو خشب محترق.

شعر بقشعريرة تسري في جسده.

لم يكن يعرف لماذا، لكن شكل الرماد أعاد إلى ذاكرته الملفات القديمة التي قرأها في المختبر.

رماد الشيطان.

تراجع خطوة، ثم أخرج الجهاز ليتأكد من موقعه. وقبل أن يفتح الخريطة، اشتغل الجهاز من تلقاء نفسه. ظهرت رسالة حمراء على الشاشة.

حدق حسون فيها دون أن يتحرك.

كانت الرسالة قصيرة:

لا تلمس الرماد.

ظل ينظر إليها لثوان.

لم تكن هذه الرسالة جزءا من البرنامج الذي أعده قبل الرحلة.

رفع رأسه ببطء، وشعر للمرة الأولى بأن وجوده في الماضي لم يعد مجرد رحلة لشراء الأشياء.

ثم سمع صوتا خلفه.

صوت رجل هادئ، قريب جدا منه.

قال:

"تأخرت يا حسون."

تجمد مكانه.

استدار بسرعة، لكنه لم يجد أحدا.

نظر إلى الأرض.

كانت هناك آثار أقدام واضحة فوق التراب الرطب، بدأت من بين الأشجار، واتجهت نحوه، ثم توقفت على بعد خطوات قليلة منه.

رفع حسون نظره نحو الظلام.

لم يكن يعرف من الذي كان هناك، ولا كيف عرف اسمه، ولا كيف عرف أنه سيأتي إلى هذا المكان.

لكن شيئا واحدا أصبح واضحا بالنسبة إليه.

الماضي كان ينتظره.