خلف الأقنعة
6 min de lectura · 1.029 palabras
### الفصل الأول
لم تكن تايلا تؤمن بأن الورود تستطيع إخفاء رائحة الموت، لكنها لم تكن تعرف أن اليوم الذي ستكتشف فيه الحقيقة سيكون آخر يوم تنظر فيه إلى العالم بالطريقة نفسها.
كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحًا في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية. السماء رمادية، والطرقات مبللة بمطر الليل، والبرد يتسلل من بين الأزقة القديمة كأنه يبحث عن شيء ضائع.
في شارع هادئ بعيد عن صخب المدينة، كان هناك محل صغير للورود يحمل اسم «حديقة الشتاء».
لم يكن المحل فاخرًا، لكنه كان المكان الوحيد الذي تشعر فيه تايلا بأنها تنتمي إلى شيء لا تحكمه المصالح ولا الأكاذيب. جدرانه البيضاء مزينة بأرفف خشبية، وعلى الطاولات تنتشر باقات الورد الأحمر والأبيض، بينما تتدلى قطرات الماء من أوراق الأزهار التي وضعتها قرب النافذة.
وقفت خلف الطاولة، ترتب باقة من الورود البيضاء، ثم ابتعدت خطوة لتتأملها.
رنّ الجرس الصغير المعلق فوق الباب.
دخلت امرأة مسنة تحمل مظلة سوداء، ونفضت قطرات المطر عن معطفها.
— صباح الخير، عزيزتي. هل أعددتِ لي الباقة التي طلبتها أمس؟
ابتسمت تايلا ابتسامة هادئة.
— بالطبع. الورود البيضاء، كما تحبينها دائمًا.
أخرجت الباقة من خلف الطاولة وقدمتها إليها. أخذتها المرأة، ثم ظلت تتأمل وجه تايلا لثوانٍ قبل أن تقول:
— تبدين شاردة اليوم. هل هناك ما يزعجك؟
هزت تايلا رأسها.
— لا شيء. ربما لم أنم جيدًا فحسب.
لم تكن تكذب تمامًا، لكنها لم تكن تقول الحقيقة أيضًا.
منذ أيام، بدأت تلاحظ تغيرًا غريبًا في تصرفات جود. مكالمات ينهيها فور اقترابها، رسائل يقرأها ثم يمحوها، وغياب لم يعد يبرره كما اعتاد. كان خطيبها منذ عامين، والرجل الذي ظنت أنها تعرف عنه كل شيء.
ومع ذلك، لم يخطر ببالها يومًا أن يكون وراء تلك التصرفات سر أكبر من مجرد مشكلات العمل.
بعد خروج المرأة، تناولت هاتفها وفتحت محادثتهما.
كانت آخر رسالة منه قد وصلت عند منتصف الليل:
«لا تنتظريني الليلة. لدي أمر يجب أن أنهيه.»
قرأت الكلمات مرة أخرى، ثم كتبت:
«جود، أحتاج إلى التحدث معك. أشعر أنك تخفي عني شيئًا.»
ترددت قبل إرسالها، لكنها ضغطت على الشاشة أخيرًا.
ظهرت علامة وصول الرسالة.
انتظرت.
دقيقة.
خمس دقائق.
ثم عشرًا.
لم يصل أي رد.
وضعت الهاتف جانبًا، وعادت إلى الورود، محاولة إقناع نفسها بأن الأمر لا يستحق كل هذا القلق. كان جود يعمل كثيرًا، وهذا ما قاله لها منذ البداية. رجل أعمال، كثير الانشغال، قليل الكلام، لكنه حين يكون معها يعرف كيف يجعل العالم يبدو أقل قسوة.
لم تكن تعرف أن ذلك العالم الذي حاول إبعادها عنه كان يقترب منها بالفعل.
في الجهة الأخرى من المدينة، وعلى بُعد عشرات الكيلومترات من محل الورود، كانت سيارة سوداء تعبر بوابة حديدية ضخمة تحرسها مجموعة من الرجال.
لم تكن البوابة تحمل اسمًا، ولم تكن هناك لافتة تدل على هوية المكان. فقط كاميرات مراقبة، وأسوار عالية، وحراس لا يسمحون لأحد بالاقتراب دون إذن.
في نهاية الطريق، ارتفع قصر حجري تحيط به أشجار طويلة. خلف نوافذه المعتمة، كان يجري اجتماع لم يكن مسموحًا بتسريب كلمة واحدة مما يدور فيه.
جلس رجال حول طاولة مستطيلة، تتوسطها خريطة للمدينة وملفات سوداء تحمل أسماء وأرقامًا.
في صدر الطاولة، بقي مقعد واحد خاليًا.
لم يجرؤ أحد على الجلوس فيه.
انفتح الباب.
دخل رجل طويل يرتدي معطفًا أسود، تتبعه خطوات حارسَين. لم يرفع صوته، ولم يحتج إلى إعلان وصوله. بمجرد ظهوره، انقطعت الأحاديث، واستقامت ظهور الرجال الجالسين.
تقدم نحو المقعد، ووضع قفازيه فوق الطاولة.
قال أحد الرجال بحذر:
— سيدي، وصلتنا أخبار جديدة من إيطاليا.
جلس الرجل ببطء.
— تكلم.
فتح الرجل ملفًا أسود وأخرج منه عدة صور.
— جود بدأ يتحرك خارج الاتفاق. رجاله تواصلوا مع جهات لم يكن من المفترض أن يعرفوا بوجودها.
لم تتغير ملامح الرجل الجالس في صدر الطاولة.
— وماذا أيضًا؟
تبادل الرجل نظرة سريعة مع الجالسين قبالته.
— هناك امرأة مرتبطة به.
ساد الصمت.
رفع الرجل عينيه أخيرًا.
— امرأة؟
— خطيبته. اسمها تايلا. روسية، وتعمل في محل للورود. لا يبدو أنها تعرف شيئًا عن نشاطه.
ظل ينظر إلى الصورة الموضوعة أمامه. لم تكن صورة واضحة، بل لقطة بعيدة لامرأة تقف أمام واجهة متجر، تحمل باقة من الزهور.
لم يكن في الصورة ما يميزها عن أي امرأة أخرى في المدينة.
ومع ذلك، لم يأمر بإزالتها من الملف.
أغلقه بيده، ثم قال ببرود:
— لا أحد يقترب منها دون أمري.
رفع أحد الرجال رأسه.
— هل نعتبرها جزءًا من المشكلة؟
توقفت يد الرجل فوق الملف.
— قلت: لا أحد يقترب منها.
لم يكرر كلامه.
ولم يحتج إلى ذلك.
عند السادسة مساءً، أغلقت تايلا محلها بعد يوم طويل. رتبت الأدوات، ووضعت الورود المتبقية في الثلاجة الصغيرة، ثم ارتدت معطفها وخرجت.
كان المطر قد عاد، والشارع يلمع تحت أضواء المصابيح. سارت نحو محطة الحافلات وهي تتفقد هاتفها للمرة الأخيرة.
لا رد من جود.
تنهدت، ثم قررت أن تتوقف عن مراسلته حتى يعود بنفسه. لم تكن تريد أن تتحول علاقتها به إلى سلسلة من الأسئلة والشكوك.
لكن حين وصلت إلى زاوية الشارع، لاحظت سيارة سوداء متوقفة أمام متجر مغلق.
لم تهتم في البداية.
واصلت السير.
تحركت السيارة ببطء.
توقفت تايلا للحظة، ونظرت من فوق كتفها. لم تستطع رؤية من بداخلها بسبب الزجاج الداكن، فأقنعت نفسها بأنها تتوهم، ثم تابعت طريقها.
انعطفت إلى شارع جانبي أقصر يؤدي إلى منزلها.
كانت خطواتها تتردد فوق الرصيف المبلل، ولم يكن في المكان سوى صوت المطر ومحركات السيارات البعيدة.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
— آنسة تايلا؟
التفتت.
كان رجل يرتدي معطفًا داكنًا يقف على مسافة قصيرة منها. لم تره من قبل، ولم يعجبها أنه يعرف اسمها.
— نعم؟ هل أعرفك؟
لم يجب مباشرة. أخرج هاتفه، نظر إلى الشاشة، ثم أعاده إلى جيبه.
— نحتاج إلى التحدث معك بشأن خطيبك.
تغيرت ملامحها.
— جود؟ ماذا حدث له؟
نظر الرجل إلى نهاية الشارع، كأنه يتأكد من شيء، ثم عاد إليها.
— ليس هنا.
تراجعت خطوة.
— إذا كان الأمر يتعلق بجود، فتحدث الآن. من أنت؟
لم يتحرك الرجل نحوها، لكنه قال بصوت منخفض:
— اسمي لن يفيدك. لكن ما سأخبرك به قد يغير حياتك كلها.
شعرت تايلا بانقباض في صدرها. كان هناك شيء في نبرته يجعلها تدرك أن الأمر لا يتعلق بخلاف عادي أو مشكلة في العمل.
أمسكت هاتفها.
— سأتصل بجود.
قال الرجل بسرعة:
— لن يجيبك.
تجمدت يدها.
— ماذا تعني؟
لم يجب.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتفها.
ظهر اسم جود على الشاشة.
تراجعت كل الأفكار من رأسها، وأجابت فورًا.
— جود؟ أين أنت؟ أحاول الاتصال بك منذ الصباح!
لم تسمع سوى ضجيج مكتوم في البداية، ثم صوت رجل لا تعرفه.
— هل أنتِ تايلا؟
تسارعت أنفاسها.
— من أنت؟ أين جود؟
جاءها الرد بعد لحظات بدت أطول من اللازم:
— عليكِ أن تأتي إلى العنوان الذي سأرسله إليك. وحدك.
ثم انقطع الاتصال.
وقفت في منتصف الشارع، تحدق في شاشة هاتفها، قبل أن تصلها رسالة جديدة تحتوي على عنوان مجهول.
لم تكن تعرف أن تلك الرسالة ستقودها إلى أول باب في حياة جود لم يُسمح لها بفتحه.
ولم تكن تعرف أن خلف ذلك الباب يقف الرجل الذي سيقلب حياتها رأسًا على عقب.
أسير.
الرجل الذي لم تكن تعرف اسمه بعد، ولم تكن تدرك أن مصيرها بدأ يتشابك مع مصيره منذ اللحظة التي ظهر فيها اسمها داخل ذلك الملف الأسود.
أما الحقيقة، فكانت أبعد بكثير مما تستطيع تخيله.
وما ينتظرها في نهاية تلك الليلة لن يكون مجرد إجابة عن سؤال واحد.
بل بداية حياة لم تخترها، داخل عالم لا يرحم من يعرف أسراره.