Cover of إيلدوريا إيلدورياby إسماعيل Chapter 1

الحبوب التي اختفت

9 min read · 1,601 words

استغرق التفكير 4s

### إيلدوريا

### الفصل الأول: الحبوب التي اختفت

لم تكن المشكلة في أن الحبوب قد اختفت.

كانت المشكلة أن السجلات تؤكد أنها وصلت.

وفي مدينة أوريان، عاصمة مملكة فاليريا، لم يكن الفرق بين الأمرين مجرد خطأ في دفاتر أحد الموظفين. كان هناك أناس ينتظرون الطعام، وجنود ينتظرون إمداداتهم، وملك سيضطر إلى اتخاذ قرار قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.

كان الصباح باردًا حين دخل آدم المصري قاعة الحسابات الملحقة بمخازن التاج.

لم تكن القاعة تشبه القاعات الملكية التي اعتاد الناس تخيلها. لا أعمدة ذهبية، ولا أرضيات رخامية لامعة، ولا حراس يقفون عند كل باب لاستعراض هيبة العرش.

كانت غرفة طويلة تفوح منها رائحة الورق القديم والحبر والرطوبة. امتدت على جانبيها رفوف تحمل دفاتر الحسابات، وتراكمت فوق الطاولات أوراق تنتظر المراجعة منذ أيام.

وقف رجل مسن خلف إحدى الطاولات، يضم إلى صدره دفترًا سميكًا.

وحين دخل آدم، انحنى الرجل باحترام.

«مولاي.»

أشار آدم إليه أن يرفع رأسه.

«اسمك؟»

«مارتن، يا مولاي. أنا المسؤول عن مراجعة سجلات المخازن.»

توقف آدم أمام الطاولة، ثم نظر إلى الأوراق المتناثرة.

«أُبلغت أن هناك مشكلة في شحنة الحبوب القادمة من مخازن الشمال. أريد أن أعرف المشكلة، لا أن أسمع وصفًا لها.»

ابتلع مارتن ريقه.

«وفقًا للسجلات، وصلت الشحنة إلى نقطة التخزين قبل الموعد المحدد بيومين. لكن الكمية الموجودة حاليًا أقل من الكمية المسجلة.»

«أقل بكام؟»

فتح الرجل الدفتر، وقلب صفحاته بسرعة متوترة.

«لم تكتمل المطابقة بعد، يا مولاي. هناك سجلات نقل لم تصل، وإيصالات لم تُراجع. لا أستطيع أن أعطيك رقمًا موثوقًا.»

حدق آدم فيه لحظة.

لم يعجبه الجواب، لكنه لم يكن جوابًا سيئًا.

الرجل الذي يعترف بأنه لا يعرف، قد يكون أكثر فائدة من رجل يخترع رقمًا كي يرضي الملك.

سحب آدم كرسيًا وجلس.

«حط كل حاجة قدامي. سجل الشحنة، وإيصالات الاستلام، وطلبات الصرف. وعايز أعرف مين وقّع على كل مرحلة.»

أسرع مارتن إلى تنفيذ الأمر.

وبينما كان الرجل يجمع الدفاتر، وقعت عينا آدم على ورقة صغيرة مثبتة في طرف أحد السجلات.

كانت تحمل طلبًا عاجلًا لتوزيع الحبوب على تجمعات سكانية تعاني نقصًا في الغذاء.

وأسفل الطلب، وُضعت ورقة أخرى تحمل ختم قوة الحراسة المسؤولة عن حماية طريق الإمدادات.

كان الطلب الثاني واضحًا في مضمونه: الحامية تحتاج إلى حصتها من المؤن حتى تتمكن من مواصلة حماية الطريق.

رفع آدم الورقتين.

«الطلبان دول وصلوا إمتى؟»

أجاب مارتن:

«طلب المدنيين وصل بالأمس، أما طلب الحامية فوصل قبل ثلاثة أيام.»

«واتعمل إيه؟»

«لم يصدر قرار بالصرف حتى الآن.»

وضع آدم الورقتين على الطاولة.

إذًا، لم تكن المشكلة في كمية الحبوب وحدها.

كان الوقت يمر، والقرار يتأخر، وكل يوم يمر يزيد الضغط على الطرفين.

دخل رجل في منتصف العمر إلى القاعة، يحمل ملفًا جلديًا تحت ذراعه. كان يرتدي معطفًا رماديًا بسيطًا، وعلى حزامه ختم إداري يدل على عمله في شؤون الإمداد.

انحنى أمام آدم.

«مولاي، أنا إدوارد، المشرف على حركة المؤن بين المخازن.»

أشار آدم إلى الدفاتر.

«اشرح لي طريق الشحنة.»

اقترب إدوارد من الطاولة، ثم فتح خريطة صغيرة مرسومًا عليها خط الإمداد القادم من الشمال باتجاه أوريان.

«خرجت الشحنة من المخزن الرئيسي، ثم انتقلت إلى نقطة تجميع قريبة من الطريق التجاري. من هناك كان المفترض نقلها إلى المخزن المرتبط بالعاصمة.»

«والمشكلة ظهرت فين؟»

«في المطابقة بين سجل التسليم وسجل الاستلام الأخير.»

«يعني أنت مش متأكد إن الحبوب وصلت؟»

تردد إدوارد قبل أن يجيب.

«أنا متأكد أن الشحنة خرجت من المخزن الأول. أما وصول الكمية كاملة إلى المخزن الأخير، فلا أستطيع تأكيده قبل مراجعة الإيصالات.»

مال آدم إلى الخلف.

«مين أكد وصولها في السجلات؟»

«موظف الاستلام في نقطة التخزين.»

«ومين راجع الكمية بعد وصولها؟»

صمت إدوارد.

كان الصمت أقصر من أن يُعد دليلًا، لكنه أطول من أن يمر من دون ملاحظة.

قال أخيرًا:

«لا أملك إجابة مؤكدة، يا مولاي.»

لم يرفع آدم صوته.

«يبقى لسه ما عندناش دليل على سرقة، ولا دليل على إن الشحنة وصلت كاملة. عندنا تناقض لازم نفهمه.»

نظر إلى مارتن.

«عايز نسخة من كل سجل متعلق بالشحنة، حتى لو الورقة شكلها مش مهمة. ومحدش يغيّر أو يعدّل أي قيد قبل ما نعرف مصدره.»

ثم التفت إلى إدوارد.

«وابعت طلب مراجعة لحركة النقل كلها، من أول خروج الشحنة لحد آخر نقطة استلام. مش عايز تقرير يقول لي إن كل حاجة سليمة. عايز أعرف كل شخص استلم إيه، وسلّم إيه، وإمتى.»

أومأ إدوارد.

«أمرك، يا مولاي.»

وقبل أن يغادر، أضاف آدم:

«وفي حاجة كمان. عايز أعرف هل فيه شحنات تانية اتأخرت على نفس الطريق، ولا دي حالة منفردة.»

تغيرت ملامح إدوارد قليلًا.

«سأتحقق من ذلك.»

لاحظ آدم التغير، لكنه لم يعلّق.

لم يكن مستعدًا لتحويل كل تردد إلى تهمة. كان يعرف أن الخوف من العقوبة قد يجعل الموظف يتلعثم حتى لو لم يرتكب شيئًا، وأن الثقة الزائدة قد تكون أخطر من الشك نفسه.

غادر إدوارد القاعة.

وبقي آدم أمام السجلات.

فتح آدم عينيه على نافذة صغيرة في أعلى الجدار، حيث تسللت أشعة الشمس إلى الغرفة.

للحظة، لم يكن يسمع سوى تقليب الصفحات واحتكاك القلم بالورق.

ثم ظهرت أمامه نافذة شفافة لا يراها أحد سواه.

\[نظام التاج\]

\[تم رصد تعارض بين سجلات الإمداد.\]

\[نوع التعارض: اختلاف بين الكمية المسجلة والكمية المثبتة في سجل المخزون الحالي.\]

\[البيانات المتاحة غير كافية لتحديد سبب الاختلاف.\]

لم تتغير ملامح آدم.

كان قد تعلم منذ وقت طويل أن النظام لا يمنحه الحقيقة لمجرد أنه طلبها. كان أداة تساعده على ترتيب المعلومات ومقارنة الاحتمالات، أما الوصول إلى الحقيقة فيحتاج إلى أدلة يمكن التحقق منها.

ظهرت أمامه مجموعة من السجلات، مرتبة بحسب تاريخها ومصدرها.

قرأها واحدًا تلو الآخر.

سجل خروج الشحنة.

إيصال استلام أولي.

إشارة إلى نقل داخلي.

قيد في دفتر المخزن الأخير.

لكن الحلقة الأخيرة كانت ناقصة.

لم يكن هناك ما يكفي لإثبات أن الكمية المسجلة قد دخلت المخزن بالفعل، ولم يكن غياب الإيصال وحده كافيًا لإثبات أن أحدًا سرق شيئًا.

أغلق آدم النافذة.

«يعني هنبدأ من الورق، ونشوف الورق هيوصلنا لفين.»

سمعه مارتن، فرفع رأسه.

«هل هناك شيء آخر، يا مولاي؟»

«أيوه. هات لي آخر تقرير عن مخزون الحبوب المتاح للصرف، مش إجمالي المخزون المسجل. عايز الكمية اللي نقدر نتصرف فيها فعلًا.»

أسرع مارتن إلى رف قريب، وأخرج دفترًا آخر.

وبينما كان يقلب صفحاته، قال بحذر:

«مولاي، حتى لو عرفنا الكمية الموجودة، فالتوزيع لن يكون سهلًا.»

«ليه؟»

«لأن طلبات الصرف أكبر من الكمية اللي نقدر نخصصها للجميع في الوقت الحالي. ولو صرفنا للمدنيين، هنحتاج نراجع حصة الحامية. ولو احتفظنا بالحصة العسكرية كاملة، هيتأخر توزيع الغذاء على التجمعات اللي طلبته.»

لم يجب آدم على الفور.

كانت هذه هي المشكلة الحقيقية.

لم يكن أمامه قرار يمنح الجميع ما يحتاجون إليه. كان عليه أن يختار كيف يتعامل مع النقص، قبل أن يعرف حتى ما إذا كان النقص ناتجًا عن خطأ إداري أو تلف أو خلل في النقل أو فعل متعمد.

قال آدم:

«جهّز لي بيانًا بالكميات اللي نقدر نثبت وجودها، وبيانًا تاني بالطلبات المستعجلة. كل واحد فيهم بمصدره وتاريخه. ولو فيه معلومة مش مؤكدة، اكتب إنها مش مؤكدة.»

«حاضر، يا مولاي.»

«ومتكتبش رقمًا تقديريًا كأنه حقيقة.»

انحنى مارتن، ثم عاد إلى عمله.

بعد وقت قصير، وصل رسول من مكتب الإمداد.

كان يحمل رسالة مختومة، وقد بدا عليه أنه قطع المسافة بسرعة.

تسلم آدم الرسالة وفتحها.

لم تكن طويلة.

أفادت بأن المسؤولين عن حماية طريق الإمداد ينتظرون قرارًا بشأن حصتهم، وأن استمرار التأخير قد يفرض عليهم إعادة توزيع الجنود على النقاط الأكثر عرضة للخطر.

لم يكن في الرسالة تهديد للملك، ولم تتضمن اتهامًا لأي موظف.

كانت مجرد حقيقة أخرى أُضيفت إلى مجموعة الحقائق التي يتعين عليه التعامل معها.

طوى آدم الرسالة ووضعها بجوار طلب المدنيين.

ثم طلب من مارتن استدعاء مسؤول الحراسة، على أن يحضر معه بيانًا بما تحتاج إليه القوة لحماية الطريق، لا مجرد طلب يحدد كمية المؤن التي تريدها.

وبعدها أمر بإرسال موظف مستقل لفحص المخزون الفعلي، على أن تُسجل نتيجة الفحص قبل إجراء أي صرف جديد.

لم يكن ذلك حلًا للأزمة، بل محاولة لمنعها من التحول إلى فوضى أكبر.

فإذا أصدر أمرًا بالتوزيع قبل معرفة ما يملكه فعلًا، فقد يَعِد الناس بما لا يستطيع توفيره.

وإذا انتظر حتى تكتمل كل الأوراق، فقد يصل متأخرًا إلى حد يجعل القرار الصحيح بلا قيمة.

وقف آدم أمام الطاولة، ونظر إلى الطلبين مرة أخرى.

طلب المدنيين كان يحمل توقيعات أشخاص ينتظرون الغذاء.

وطلب الحامية كان يحمل توقيعات مسؤولين يخشون أن يؤدي نقص الإمدادات إلى إضعاف حماية الطريق.

لم يكن أحد الطلبين تافهًا، ولم يكن من الممكن تجاهل أي منهما.

قال آدم بصوت منخفض:

«لازم نتحرك، بس مش هنسمح إننا نحل مشكلة ونصنع مشكلة أكبر منها.»

مع اقتراب الظهيرة، بدأ التقرير الأول يتشكل.

لم يقدم إجابة نهائية، لكنه أوضح ما هو معروف وما لا يزال مجهولًا.

الشحنة خرجت من مخزنها الأول.

هناك تسجيل يفيد بوصولها إلى نقطة لاحقة.

الكمية الموجودة في المخزن الأخير لا تتطابق مع السجل.

بعض مستندات النقل لم تصل بعد.

ولا يوجد حتى الآن دليل كافٍ يثبت السرقة أو التلف أو الخطأ البشري.

قرأ آدم التقرير مرتين.

ثم وضع إصبعه على السطر الأخير.

«ده أهم سطر هنا.»

نظر إليه مارتن باستغراب.

«لأنه ما عندناش دليل على السبب، يا مولاي؟»

«بالضبط. لو قررنا من دلوقتي إن فيه حرامية، هنبدأ التحقيق وإحنا بندور على اللي يثبت شكنا، مش على الحقيقة. ولو افترضنا إن الموضوع مجرد خطأ، ممكن نفوّت حاجة مهمة.»

أعاد التقرير إلى الطاولة.

«هنحقق في كل احتمال، ومش هنستثني حد لمجرد إنه موثوق عندنا، ولا هنتهم حد لمجرد إنه كان مسؤول عن الشحنة.»

ثم نظر إلى الطلبين.

«لكن التوزيع مش هيستنى لحد ما نعرف كل حاجة.»

ساد الصمت.

كان القرار الذي سيصدره آدم الآن سيؤثر في المدنيين والحامية معًا، بينما تظل الكمية الحقيقية المتاحة غير محسومة.

لم يكن أمامه رفاهية حل مثالي.

كان عليه أن يختار إجراءً مؤقتًا، يحد من الضرر، ويحافظ في الوقت نفسه على فرصة الوصول إلى الحقيقة.

وقبل أن ينطق بالأمر، دخل موظف من المخزن مسرعًا، يحمل ورقة مطوية.

انحنى على عجل.

«مولاي، أعتذر عن المقاطعة. أثناء مراجعة سجلات النقل، وجدنا مستندًا لم يكن ضمن الملف الأصلي.»

مد آدم يده.

«إيه المستند ده؟»

«إيصال نقل داخلي، يا مولاي. عليه توقيع يفيد بأن الشحنة انتقلت إلى نقطة التخزين الأخيرة.»

فتح آدم الورقة.

قرأ التاريخ.

ثم قرأ التوقيع.

وعاد إلى سجل المخزن، حيث كان من المفترض أن يظهر القيد نفسه.

لم يجد ما يطابقه.

رفع عينيه إلى الموظف.

«المستند ده كان فين؟»

«داخل ملف قديم خاص بحركة النقل. لم يُرفق بالتقرير الأول.»

«وليه؟»

«لا أعرف، يا مولاي. وجدناه أثناء البحث عن الإيصالات الناقصة.»

لم يتهمه آدم، ولم يتظاهر بأنه فهم ما حدث.

أعاد قراءة الورقة، ثم طلب تسجيل وقت العثور عليها واسم الموظف الذي اكتشفها، وإرفاقها بملف التحقيق من دون تعديل أو استكمال أي بيانات ناقصة.

بعد ذلك، نظر إلى مارتن.

«جهّز أمر التوزيع المؤقت. هنحدد الكميات على أساس المخزون اللي اتفحص فعلًا، ونراجع احتياجات المدنيين والحامية قبل اعتماد الحصص. والتحقيق في الشحنة هيفضل مفتوح لحد ما نعرف إيه اللي حصل.»

ثم وضع الإيصال الجديد فوق بقية الأوراق.

لم يكن دليلًا على وجود مؤامرة.

ولم يكن دليلًا على براءة أحد.

لكنه جعل التأجيل أكثر خطورة، وأثبت أن الملف الذي وصل إلى الملك لم يكن يحتوي على كل المستندات المتاحة.

وفي مملكة تعاني نقص الغذاء، لم يعد السؤال مقتصرًا على كمية الحبوب التي اختفت.

بل أصبح سؤالًا آخر، أكثر إلحاحًا:

لماذا اتخذت السجلات شكلًا يوحي بأن كل شيء سار كما ينبغي، بينما الواقع يقول إن هناك شيئًا لم يُحسم بعد؟

لم تكن لدى آدم إجابة.

لكنه قرر ألا يسمح للسجلات بأن تجيب بدلًا منه.

نهاية الفصل الأول