(حين تكذب التفاصيل)
4 min read · 728 words
الفصل الأول: مقعدٌ لا يواجه الباب
لم تكن ميار تحب الأماكن التي تمنح الداخلين فرصة رؤية الجميع قبل أن يراهم أحد. اختارت في المقهى طاولة جانبية، ظهرها إلى الجدار السميك، والنافذة العريضة على يسارها الممتد نحو الشارع المقابل. لم يكن الأمر خوفًا ولا عادة واعية؛ ببساطة، كانت ترتاح حين لا يضطرها أحد إلى مراقبة ما خلفها، تاركةً عينيها ترعيان المساحة الممتدة أمامها بيقين وهدوء.
وصلت ليان قبل الموعد بسبع دقائق. في يدها حقيبة جلدية صغيرة، وفي وجهها ابتسامة جاهزة بدت أوسع وأكثر تدريبًا مما يحتاجه لقاء عابر بين صديقتين قديمتين. اعتذرت عن التأخير وهي لا تزال في متسع من الوقت، ثم وضعت هاتفها مقلوبًا على الطاولة، وعدّلت الكوب الفارغ أمامها حتى صار موازيًا لحافة الخشب بدقة متناهية.
قالت وهي تتنفس بعمق: «لقد اشتقتُ إليكِ كثيرًا، مضى زمن طويل لم نجلس فيه معًا بمثل هذا الهدوء».
وضعت ميار كوبها ببطء شديد، دون أن تصدر حركتها أي صوت على سطح الخشب، وقالت بنبرة ناعمة ومستقرة: «لقد مرّ أسبوعان فقط على آخر لقاء».
ضحكت ليان، كأنها لم تتوقع أن تتذكر العدد بهذا التحديد الحاد. ثم بدأت تحكي عن العمل، وعن امرأة ضايقتها في الرواق، وعن مشوار طويل وعابر، وعن أشياء كثيرة لا تحتاج إلى جواب. كانت تتكلم بسرعة غير معتادة، لكنّها كلما اقتربت في حديثها من موضوع الزيارة الفعلي، عادت أصابعها إلى الكوب وحرّكته قليلًا، كأنها تعيد ترتيب ارتباكها الداخلي.
لم تقاطعها ميار، ولم تسألها عن سبب هذا التوتر المكتوم. اكتفت بالنظر إلى حركة أصابعها، ثم سألتها إن كانت تريد قهوة أخرى.
قالت ليان متلعثمة: «لا، لا. دعنا نُنهي أمراً عالقاً وسأغادر، فلدي بعض الالتزامات».
كانت الجملة أول خيط واضح يتماسك في اللقاء: ليان لم تأتِ لتجلس وتتسامر. جاءت لتقول شيئاً محددًا، أو لتتأكد من ردة فعل معينة، ثم تغادر. ومع ذلك، لم تظهر على ملامح ميار أي علامة من علامات الاكتشاف أو الظفر؛ فتحت قائمة الطعام وسألتها بهدوء عن رأيها في الحلوى الجديدة المعروضة في الواجهة.
بعد دقائق من الحديث المتكلف، أخرجت ليان ظرفاً أبيض مصمتًا من حقيبتها، لكنها لم تدفعه نحوها مباشرة. وضعته بحذر إلى جانب هاتفها المقلوب، ثم أعادت يدها إلى الحقيبة كأنها تبحث عن شيء آخر ضاع في العتمة.
ثم قالت بنبرة حاولت أن تبدو عابرة: «بالمناسبة، سمعت أنكِ تحدثتِ مع نادر مؤخرًا».
رفعت ميار عينيها ببطء، ونظرت إلى عيني ليان مباشرة لثانيتين إضافيتين. ثانيتان فقط، لكنهما كانتا كافيتين لترتعش أصابع ليان وهي تحاول تعديل وضع هاتفها للمرة الثالثة.
سألت ميار بهدوء قاتل: «متى؟»
تعثرت ليان نصف ثانية قبل أن تجيب: «لا أعلم.. قبل يومين ربما».
لم تقل ميار إنها لم تحادث نادر منذ سنتين، منذ ذلك الخلاف العاصف والتقرير المزور الذي أقصاها من مشروع حياتها في الجمعية ودمر مسيرتها المهنية. ولم تقل إن آخر شخص أخبرته بقرار قطيعتها التامة لنادر كان ليان نفسها. وضعت الملعقة الصغيرة على الصحن دون صوت، ثم سألت: «من أخبركِ بهذا؟»
ضحكت ليان مرة أخرى، إلا أن الضحكة خرجت قصيرة ومبتورة: «ما هذا التحقيق؟ أمر عادي، سمعت من أحدهم في الجمعية ولا أتذكر الاسم بدقة».
تركت ميار السؤال يموت في الفراغ. لم يكن عليها أن تنتزع اسماً الآن؛ فطريقة ليان في تجنب التحديد كانت معلومة بحد ذاتها، ودليلًا كافيًا على أن ثمة لعبة تُحاك خلف الستار. كانت تحتاج إلى معرفة ما إذا كانت ليان قد جاءت كرسول حسن النية، أم كجزء من فخ ينصب لها لجرها إلى البداية القديمة.
دفعت ليان الظرف أخيراً بحركة مترددة: «هذه أوراق قديمة تخصكِ، عثرتُ عليها وأنا أرتب خزانتي القديمة».
لم تمد ميار يدها لتلمس الظرف: «أوراقي أنا؟»
«نعم».
«غريب، لا أتذكر أنني تركتُ عندكِ وثائق تخص قضية الجمعية أو المحاضر الرسمية».
قالت ليان بسرعة مفرطة: «ربما كانت مسودات أو ملاحظات قديمة تداولناها وقتها، ليس مهماً الآن، المهم أنني أعدتها إليكِ».
كان الظرف رقيقاً، وأحد أركانه مثنياً من الداخل بعناية. قالت ميار وهي تعيد الظرف بلطف نحو جهة ليان: «أبقيه معكِ حتى تتأكدي أنه يخصني فعلاً، لا أريد أخذ شيء ليس لي».
تغيرت ابتسامة ليان للحظة، وحل مكانها وجوم خفيف، ثم استدركت: «أنتِ لا تزالين تدققين في كل تفصيل صغير».
ردت ميار وهي تنظر للشارع: «فقط عندما يتعلق الأمر بأشياء تركت أثراً خلفها».
انتهى اللقاء بعد أقل من نصف ساعة. في الخارج، ودّعتها ليان بعناق سريع ومفتعل، وأوصتها ألا تنسى الأوراق. لم تعد ميار إلى البيت مباشرة؛ فقد انتبهت أثناء العناق إلى حركة يد ليان وهي تدس الظرف في جيب معطفها الجانبي. لم تشعر بالغضب، فالغضب استعجال يفسد الرؤية.
دخلت مكتبة صغيرة في الشارع المقابل، واشترت دفتراً صغيرًا وقلم حبر أسود، وجلست قرب الواجهة الزجاجية لتكتب ثلاثة أسطر واضحة:
ما أعرفه بيقين: ليان ادعت أنني تحدثت مع نادر لإثارة تساؤلي، وأحضرت ظرفًا دستْه في معطفي رغماً عني.
ما لا أعرفه: ما الذي يحتويه الظرف تحديداً، ومن المستفيد من إعادتي لنبش قضية الجمعية الآن؟
ما لن أفعله: لن أفتح الظرف قبل أن أضع شروطي الخاصة للمواجهة.
(