لقاء غير متوقع
4 min read · 629 words
الخيط الأول
كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحًا عندما غادرت ليان مسرح الجريمة.
لكنها لم تغادره حقًا.
فالمشهد ظل عالقًا في ذهنها؛ الغرفة الباردة، المكتب الخشبي، الجسد الساكن، والقناع الذي استقر بالقرب منه بطريقة بدت مقصودة أكثر مما ينبغي.
ركبت سيارتها بصمت.
كانت ليان امرأة في أواخر العشرينات، متوسطة الطول، ذات شعر أسود طويل يصل إلى منتصف ظهرها، وعينين داكنتين تمنحان ملامحها هدوءًا يصعب تفسيره. لم تكن من النوع الذي يلفت الانتباه بمجرد دخوله إلى مكان، لكن نظرتها وحدها كانت كافية لجعل الآخرين يشعرون بأنها تلاحظ أكثر مما تقول.
كانت ترتدي ملابس عملية داكنة، وتتحرك دائمًا بثبات دون استعجال.
أما شخصيتها، فكانت أكثر تعقيدًا من مظهرها الهادئ.
لم تكن تخاف بسهولة، لكنها لم تكن متهورة أيضًا.
كانت تؤمن أن كل جريمة تترك خلفها شيئًا...
حتى لو كان ذلك الشيء مجرد تفصيل صغير لا يراه أحد.
وهذه الجريمة تحديدًا كانت تزعجها.
لأنها تركت الكثير من التفاصيل.
بعد وصولها إلى القسم، دخلت ليان مكتبها وأغلقت الباب خلفها.
وضعت ملف القضية على المكتب، ثم بقيت للحظات واقفة أمامه.
أخذت نفسًا عميقًا وجلست.
فتحت الملف.
كانت الصفحة الأولى تحمل معلومات الضحية.
سالم محمد
رجل في منتصف الأربعينات، أنيق المظهر، لا يبدو من صورته أنه عاش حياة مليئة بالمشاكل.
لكن الصور التالية كانت مختلفة تمامًا.
قلبت ليان الصفحة.
ظهرت صورة الجثة.
كان الرجل مستلقيًا بجانب مكتبه، جسده في وضعية غير طبيعية، وذراع إحدى يديه ممتدة نحو الأرض، وكأنها كانت آخر محاولة منه للتشبث بشيء.
وجهه كان شاحبًا، وعيناه نصف مغلقتين، بينما بدت على عنقه آثار ضغط واضحة بخيط رفيع او ربما سلك .
لم يكن هناك جرح نافذ.
لا رصاصة.
ولا سلاح في المكان.
وفقًا للفحص الأولي، كانت الوفاة نتيجة اختناق شديد بسبب الضغط على العنق.
لكن الشيء الأكثر غرابة...
لم تكن هناك آثار واضحة لمعركة طويلة.
وكأن كل شيء حدث بسرعة.
وكأن الضحية لم يمتلك الوقت الكافي حتى ليفهم ما يحدث.
وضعت ليان الصورة على المكتب.
ثم بدأت تجمع الأدلة أمامها.
صورة الضحية.
صورة القناع.
صورة حذاء الباليه.
وصورة الورقة التي تحمل العبارة:
«بعض الحسابات لا يسقطها الزمن.»
علقت الصور أمامها.
ثم وقفت تنظر إليها.
كان عقلها يعمل بسرعة.
القناع...
حذاء الباليه...
الرسالة...
لماذا؟
هل كانت رموزًا؟
أم أن لكل واحد منها معنى خاصًا؟
اقتربت من صورة الضحية.
— "ماذا فعلت؟"
خرج السؤال من شفتيها دون أن تشعر.
ثم عادت بنظرها إلى الرسالة.
ربما لم يكن القاتل يحاول إخفاء شيء.
ربما كان يحاول إخبارهم بشيء.
وفجأة...
طرق أحدهم الباب.
استدارت.
— "ادخل."
انفتح الباب.
دخل رجل لم تره من قبل.
كان في أوائل الثلاثينات، طويل القامة، عريض الكتفين، وله شعر أسود قصير مرتب بطريقة بسيطة. كانت عيناه داكنتين وهادئتين، لكنهما تحملان نظرة يقظة توحي بأنه لا يفوّت التفاصيل بسهولة.
كان يرتدي قميصًا أبيض تحت سترة داكنة، ويحمل ملفًا بيده.
مظهره كان هادئًا، وربما باردًا قليلًا.
لكن أكثر ما لفت انتباه ليان كان طريقته في النظر.
لم ينظر إليها أولًا.
بل نظر إلى الجدار.
إلى الصور.
ثم إلى المكتب.
ثم إليها.
وكأنه اعتاد أن يفحص المكان قبل الأشخاص.
— "المحققة ليان؟"
— "نعم."
دخل وأغلق الباب خلفه.
— "أنا آدم. محقق."
سكت لحظة ثم أضاف:
— "أُرسلت للمساعدة في التحقيق."
نظرت إليه ليان من رأسه حتى قدميه دون أن تخفي حذرها.
— "لم أكن على علم بأنني سأحصل على شريك."
رفع حاجبه قليلًا.
— "وأنا لم أكن على علم بأن شريكتي لا تحب مشاركة قضاياها."
لم يتغير تعبير وجهها.
— "أنا لا أحب مشاركة الاستنتاجات قبل أن أتأكد منها."
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه آدم.
— "إذن يبدو أننا سنتفاهم."
لم تجبه.
توجه آدم نحو الجدار.
وقف أمام الصور لبضع ثوانٍ.
كانت عيناه تتحركان بينها بتركيز.
ثم توقف عند صورة القناع.
— "هذا غريب."
قالتها ليان فورًا:
— "ما الذي تقصده؟"
أشار إلى الصورة.
— "طريقة وضعه."
نظرت إلى القناع.
— "ماذا فيه؟"
اقترب منه قليلًا.
— "لو كان مجرد رمز تعمد تركه، لتركه في أي مكان.. كما انه وضع بعناية مقابل وجه الضحيه كأنه اراد من الضحية ان تموت تحت عينيه وان يكون هذا القناع اخر ما يرى قبل موته.. ."
ثم نظر إلى حذاء الباليه.
— "لقد وضع الأشياء هنا بطريقة تجعل أول شخص يدخل الغرفة يلاحظها."
صمتت ليان.
كانت قد فكرت بالأمر نفسه.
لكنها لم تكن مستعدة لسماع شخص آخر يقوله بهذه السرعة.
أكمل آدم:
— "أعتقد أن هذه الأشياء لم تُترك خلفه بالصدفة."
التقت عيناه بعينيها.
— "أعتقد أن القاتل تعمد أن نجدها أول دخولنا ."
سادت لحظة صمت.
نظرت ليان إلى الجدار من جديد.
وللمرة الأولى منذ وصولها إلى القسم، شعرت أن القضية أصبحت أكبر مما ظنت.
لم يكن السؤال:
من قتل الرجل؟
بل...
ماذا يريد القاتل أن يخبرهم؟
وأسوأ ما في الأمر...
أنها بدأت تشعر بأن الرسالة لم تكن موجهة إلى الشرطة وحدها.