الكذبة التي صدّقتها
5 min read · 842 words
كان نادر يؤمن بأنه إنسان لا يخطئ.
لم يكن يقول ذلك بصوت مرتفع، ولم يكن مغرورًا بما يكفي ليعلنه أمام الناس، لكنه كان يحمل في داخله يقينًا غريبًا بأن كل ما يفعله، مهما بدا سيئًا، لا بد أن يكون له سبب يجعله محقًّا.
إذا جرح أحدًا، قال إنه كان صريحًا.
وإذا خذل صديقًا، قال إن الظروف أجبرته.
وإذا خسر إنسانًا يحبّه، أقنع نفسه بأن ذلك الإنسان لم يكن يستحق البقاء.
كان يملك تفسيرًا لكل شيء، حتى الأشياء التي لا يمكن تبريرها.
وكانت تلك موهبته الأخطر: لم يكن يحتاج إلى الكذب على الآخرين؛ فقد أتقن الكذب على نفسه.
في أحد الأيام، وصلته رسالة من رجل لم يسمع عنه منذ عشر سنوات.
كانت الرسالة قصيرة:
«أعرف أنك لا تتذكرني بالطريقة التي أتذكرك بها، لكنني أتذكر اليوم الذي غيّرتَ فيه حياتي».
قرأ نادر الرسالة مرتين، ثم أجاب ببرود:
«من أنت؟»
جاءه الرد بعد دقائق:
«أنا الرجل الذي تركته خلفك عندما كان يحتاج إليك».
شعر نادر بالانزعاج. حاول استعادة ذكرياته، فتذكّر عشرات الوجوه والمواقف، لكنه لم يجد شيئًا واضحًا. كتب:
«إذا كنتَ تظن أنني ظلمتك، فأنت مخطئ. لم أؤذِ أحدًا عن قصد».
جاء الرد سريعًا:
«وهل يصبح الأذى أقلّ وجعًا لأنك لم تقصده؟»
توقّف نادر عن الكتابة.
كانت الجملة بسيطة، لكنها أصابت شيئًا داخله لم يعرف كيف يدافع عنه.
في تلك الليلة، أخرج صندوقًا قديمًا كان يحتفظ فيه برسائل وصور وأوراق من سنوات مضت. لم يكن يبحث عن الرجل، بل كان يريد إثبات أنه لا يعرفه.
وبين الأوراق، وجد صورة قديمة لثلاثة رجال يقفون أمام مبنى مهجور. كان أحدهم نادرًا، والثاني رجلًا لم يتعرّف إليه، أما الثالث فكان وجهه ممزقًا من الصورة، كأن أحدهم تعمّد إزالته.
قلب الصورة.
وجد على ظهرها عبارة مكتوبة بخط يده:
«بعض الحقائق لا ينبغي أن يعرفها أحد».
شعر ببرودة تسري في جسده.
لم يتذكّر كتابة العبارة، لكنه عرف خطّه جيدًا.
في اليوم التالي، بحث في أوراقه القديمة حتى عثر على دفتر صغير. كانت صفحاته الأولى مليئة بأسماء وتواريخ، ثم جاءت صفحات فارغة، وفي منتصف الدفتر وجد جملة واحدة:
«إذا سألك أحد عن تلك الليلة، فلا تحاول التذكّر».
أغلق الدفتر بعنف.
للمرة الأولى، لم يخشَ أن يكون قد ارتكب خطأ؛ بل خشي أن يكون قد صنع من النسيان حجةً يعيش بها.
عاد إلى الرسائل، وكتب للرجل المجهول:
«ماذا تريد مني؟»
أجابه:
«لا أريد مالًا، ولا اعتذارًا، ولا حتى أن تعترف بأنك أخطأت. أريد منك شيئًا واحدًا: أن تتوقف عن رواية قصتك بالطريقة التي تجعلك دائمًا الضحية».
قرأ نادر الرسالة، ثم شعر بالغضب.
قال لنفسه إن الرجل يحاول ابتزازه، وإن الماضي انتهى، وإن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يفتّش في كل قرار اتخذه.
كانت حججًا معقولة.
وكانت مألوفة.
لقد استخدمها طوال حياته كلما اقترب من حقيقة لا يريد رؤيتها.
بعد أيام، وصله ظرف بلا اسم. في داخله كانت هناك ورقة واحدة، وصورة أخرى للمبنى المهجور، وهذه المرة ظهر الرجال الثلاثة كاملين.
حدّق نادر في وجه الرجل الثالث.
ثم جلس ببطء.
لقد عرفه.
لم يكن غريبًا، ولا عدوًا قديمًا، ولا شخصًا نسيه مع مرور السنين.
كان أخاه الأكبر، الذي غادر المدينة قبل عشر سنوات ولم يعد بعدها أبدًا.
تذكّر الشجار الأخير بينهما، والكلمات القاسية التي قالها، والباب الذي أُغلق بعنف. لكنه تذكّر أيضًا شيئًا آخر: أنه أخبر الجميع بأن أخاه رحل بإرادته، وأنه لم يحاول منعه لأنه لم يكن يريد البقاء.
أما الحقيقة التي دفنها في ذاكرته، فكانت أنه تلقّى في تلك الليلة رسالة من أخيه يطلب فيها لقاءً أخيرًا، لكنه قرأها ولم يجب.
لم يكن مسؤولًا عن كل ما حدث لأخيه، ولم يكن يعرف ما الذي جرى له بعد ذلك. لكنه كان يعرف أنه اختار الصمت، ثم أمضى عشر سنوات يروي لنفسه قصةً لا تترك مجالًا للندم.
فتح هاتفه، وكتب للرجل المجهول:
«هل تعرف أين هو الآن؟»
لم يصله جواب.
انتظر ساعة، ثم يومًا، ثم أسبوعًا.
لم تأته رسالة أخرى.
وبعد شهر، ذهب نادر إلى المبنى القديم. كان المكان مهجورًا، والنوافذ مكسورة، والغبار يغطي الأرض. بحث بين الجدران حتى وجد كتابة صغيرة محفورة على باب خشبي:
«الحقيقة لا تموت عندما تنكرها؛ إنها تنتظر اليوم الذي تصبح فيه مستعدًا لرؤيتها».
لم يعرف مَن كتبها، ولم يعرف إن كان أخوه قد مرّ من ذلك المكان بعد تلك الليلة.
خرج من المبنى وهو يحمل أسئلة أكثر مما جاء به.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر فيه.
للمرة الأولى، لم يحاول أن يبرّئ نفسه، ولم يحاول أيضًا أن يدينها. اعترف بأنه لا يعرف القصة كاملة، وأنه قضى سنوات طويلة يتعامل مع روايته الخاصة كأنها الحقيقة الوحيدة.
وفهم أن أخطر الأكاذيب ليست تلك التي نختلقها ونحن نعرف أنها كذب؛ بل تلك التي نكرّرها حتى يصبح الاعتراف بخطئها أصعب من العيش داخلها.
ومع ذلك، بقي سؤال واحد يطارده:
مَن أرسل الرسائل؟
هل كان أخوه؟ أم الرجل الذي ظهر في الصورة؟ أم شخصًا آخر يعرف ما حدث في تلك الليلة؟
لم يجد نادر إجابة.
وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي يتعلّم فيها أن يعيش مع سؤال لا يستطيع الهرب منه.
فبعض الحقائق لا تأتي لتمنحك إجابة؛ بل لتسلب منك الراحة التي بنيتها على الوهم.
أقوال وحِكَم الفصل الثاني
«حين يصبح كل خطأ ترتكبه مبرّرًا في نظرك، لن تحتاج إلى عدوّ يهزمك؛ ستتكفّل أوهامك بالمهمة».
«ليس كل مَن يروي قصته صادقًا مع نفسه؛ أحيانًا يكون الراوي هو الشخص الذي يخفي الحقيقة عن الجميع».
«أخطر كذبة هي التي تمنحك الراحة، ثم تجعلك تدفع ثمنها من عمرك».
«قد لا تكون مسؤولًا عن كل ما حدث، لكنك مسؤول عن الحقيقة التي تختار ألّا تواجهها».
«الإنسان لا يخشى الاعتراف بخطئه دائمًا؛ أحيانًا يخشى اكتشاف أن الصورة الجميلة التي رسمها لنفسه لم تكن حقيقية».
«حين تحتاج إلى ألف عذر كي تثبت أنك لم تخطئ، توقّف قليلًا واسأل نفسك: لماذا أخاف أن أكون مخطئًا؟»
سؤال الفصل الثاني
لو اكتشفت يومًا أن أجمل قصة ترويها عن نفسك تخفي حقيقةً مؤلمة، فهل ستختار الحقيقة، أم ستتمسّك بالقصة التي جعلتك تنام مطمئنًا طوال السنوات الماضية؟