فراغ
2 min read · 288 words
<<أراها لاكنني لا أعرفها :>>
---
لم أفهم يومًا كيف يستطيع الإنسان أن يكون محاطًا بالعالم كلّه، ثم يشعر كأنّه لم يُخلق في المكان الصحيح.
وكيف يمكن لوجهٍ واحد أن يخفي كلّ هذا الخراب، بينما يمرّ الآخرون بجانبه مطمئنّين، لا يلاحظون شيئًا، ولا يخطر ببالهم أنّ خلف ذلك الصمت حكايةً لم تجد طريقها إلى أحد.
رأيتها من نافذتي.
لم تكن تفعل شيئًا.
وهذه، لسببٍ لم أفهمه، كانت أكثر الأشياء التي أخافتني فيها.
كانت تجلس طويلًا، ساكنةً على نحوٍ يجعل الوقت يبدو كأنّه توقّف عندها وحدها. لا تبحث عن شيء، لا تبدو منشغلةً بشيء، ولا تمنح العالم ما يكفي من الاهتمام ليُثبت أنّه ما زال موجودًا.
لم أكن أعرف ما الذي يدور في رأسها.
لم أكن أعرف إن كانت تفكّر أصلًا، أم أنّ أفكارها ازدحمت إلى درجةٍ لم تعد معها قادرةً على الإمساك بواحدةٍ منها.
كلّ ما كنت أراه فتاةً لا تتحرّك كثيرًا…
وعالمًا كاملًا لا أستطيع رؤيته.
---
أحيانًا، كنت أراقبها وأتساءل:
هل هناك شيءٌ ينتظره الإنسان حتى يفقد رغبته في كلّ شيء؟
أم أنّه يفقد الرغبة تدريجيًّا، دون أن ينتبه، حتى يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنّ الأشياء التي كانت تمنحه سببًا للابتسام لم تعد تعني له شيئًا؟
لا أعرف.
ولم أكن أجرؤ على سؤالها.
كنت أخشى أن تكون إجابتها أبسط ممّا أتخيّل، أو أعمق ممّا أستطيع فهمه.
لذلك، بقيت خلف نافذتي.
أراقبها.
وأحاول أن أجد في حركاتها القليلة جوابًا عن أسئلةٍ لم أكن متأكّدًا من أنّها تملك إجاباتها هي الأخرى.
لكنّني كلّما ظننت أنّني اقتربت من فهمها، اكتشفت أنّني لم أفعل سوى اختراع تفسيرٍ جديد لصمتها.
وربّما…
كان ذلك أوّل خطأ ارتكبته بحقّها.
أن أظنّ أنّ مراقبة إنسانٍ طويلًا تعني أنّني عرفته.
مع أنّني، حتى تلك اللحظة، لم أكن أعرف عنها شيئًا.
أجل هذه الحقيقة
مجرد فراغ محطم يطل من النافذة كل يوم .
نهاية الفصل الاول .