بداية النهاية
8 دقائق قراءة · 1,478 كلمة
الفصل الثاني: بداية النهاية
بعدما خرج إيلورن وهيسو من الزقاق، أخذا يتأملان ما حدث للتو، وكأنهما ما زالا يحاولان استيعاب المفاجأة التي قلبت يومهما رأسًا على عقب.
التفت هيسو إلى إيلورن ونظر إليه باستغراب واضح، ثم سأله:
«دلوقتي إزاي قدرت تاخد قوته؟»
نظر إيلورن إلى يده، ثم أجابه بالحيرة نفسها:
«أنا نفسي مش عارف! بمجرد ما لمسته، لقيت اللهب اختفى من جسمه وانتقل لي!»
ظل هيسو ينظر إليه للحظات، محاولًا فهم ما سمعه، ثم قال:
«هاه، مش مهم دلوقتي.»
وفجأة، لوّح إيلورن بيده في الهواء، فانطلق منها لهب صغير.
توقف الاثنان في مكانهما ونظرا إلى اللهب بدهشة. كانت تلك أول مرة يختبر فيها إيلورن قدرته الجديدة بهذه الصورة، ولم يستطع إخفاء فرحته بما حدث.
أما هيسو، فسرعان ما شاركه حماسه، وبدأ الاثنان يتأملان ما أصبح إيلورن قادرًا على فعله.
وبعد قليل، استأنفا سيرهما في شوارع مملكة أستريا وأسواقها، وهما يتحدثان عما حدث ويختبران قدرة إيلورن الجديدة بين الحين والآخر.
لكن يبدو أن يومهما لم يكن ينوي أن يمر بسلام!
وسط ازدحام الناس في الأسواق، لمح إيلورن وهيسو ثلاثة أشخاص بدت هيئتهم غير مألوفة.
وفجأة، أشار أحدهم نحوهما وصاح:
«هذان هما!»
التفت إيلورن إلى هيسو ونظر إليه باستغراب.
«هو بيشاور علينا؟»
رمقه هيسو بنظرة محبطة، ثم أجابه:
«مش يوم حظنا! كل ده عشان ما دفعتش فلوس الأكل للراجل!»
لم ينتظر الاثنان لمعرفة ما يريده هؤلاء الأشخاص، وانطلقا يركضان بأقصى سرعة.
ركض الثلاثة خلفهما، وسرعان ما اتضح أن سرعتهم تفوق سرعة إيلورن وهيسو بكثير. كانت المسافة بينهم تضيق، ولم يكن من السهل على الصديقين الإفلات منهم بمجرد الركض.
لكن إيلورن وهيسو لم يستسلما.
أخذا يقذفان الأشياء التي تقع في أيديهما في طريق المطاردين، مباغتين إياهم ومشتتين انتباههم، في محاولة لإبطائهم وكسب بعض الوقت.
واستغلا تلك اللحظات حتى وصلا إلى مكان هادئ وفارغ، فاختبآ فيه بعيدًا عن الأنظار.
وصل الأشخاص الثلاثة إلى المكان، وأخذوا يبحثون عنهما، متلفتين في كل اتجاه، لكنهما لم يكونا ظاهرين أمامهم.
وبينما استمروا في البحث، التفتوا فجأة ليجدوا لهبًا هائلًا أمامهم!
صرخوا من المفاجأة، وقبل أن يتمكنوا من استيعاب ما يحدث، انقضّ عليهم هيسو بعصاه، موجّهًا إليهم ضربة متفجرة أسقطتهم أرضًا.
خرج إيلورن من مخبئه وانضم إلى هيسو، وأخذا يوسّعانهم ضربًا حتى تمكنا من إخضاعهم.
وقف إيلورن أمامهم، وقد ارتسمت على وجهه نظرة حادة، بينما التفّ اللهب حول يده.
ثم قال بلهجة تهديد:
«لو ما قلتوش مين اللي بعتكم، هحرقكم!»
ارتجف أحد الأشخاص من الخوف، ولم يتحمل الموقف، ففقد وعيه.
أما الاثنان الآخران، فصرخا في رعب:
«السيد زيرفيوس!»
قطّب إيلورن حاجبيه وسألهما:
«زيرفيوس؟! ومين ده؟!»
جاءهما الرد سريعًا:
«ملك الشياطين!»
تغيّرت ملامح إيلورن فور سماع الإجابة، ثم التفت إلى هيسو، فوجده ينظر إليه بوجه بائس، وكأنه لم يعد يستغرب ما يحدث لهما في هذا اليوم.
تنهد إيلورن وقال:
«قلت لك، مش يوم حظنا!»
بعد أن عرف إيلورن وهيسو هوية من أرسل الأشخاص الثلاثة، انتبه إيلورن إلى أمر آخر؛ فقد اكتشف أن هؤلاء الأشخاص يمتلكون قدرة اللهب أيضًا.
نظر إليهم، ثم بدأ يفكر في تجربة قدرته الغامضة مرة أخرى.
وبعد أن أخضعهم، تقدّم من أحدهم ولمسه.
اختفى اللهب من جسد الرجل وانتقل إلى إيلورن!
كرر الأمر مع الشخص الثاني، ثم الثالث، فانتقلت قدرات اللهب منهم جميعًا إليه.
راقب هيسو ما حدث بدهشة، ثم التفت إلى إيلورن وسأله:
«إنت بتفكر في اللي أنا بفكر فيه؟»
وفي اللحظة نفسها، قال الاثنان:
«هل دي سرقة للقدرات؟!»
تبادلا النظرات، وكأنهما يحاولان التأكد من أن ما استنتجاه هو بالفعل ما يحدث. لم تعد المسألة مجرد انتقال قدرة شخص واحد إلى إيلورن؛ فقد حدث الأمر نفسه مع ثلاثة أشخاص آخرين.
قرر إيلورن تجربة قدرته مرة أخرى.
أطلق اللهب من يده، لكنه هذه المرة كان أقوى بكثير من ذي قبل. اندفع اللهب بصورة كادت تحرق هيسو، الذي قفز مبتعدًا وهو يصرخ:
«إنت عايز تخليني عشا هنا؟!»
نظر إليه إيلورن ضاحكًا، ثم قال:
«إيه رأيك أجرّب؟»
حدّق هيسو فيه للحظة، ثم استدار وركض هاربًا، بينما انطلق إيلورن خلفه وهو يضحك.
وسرعان ما تحوّل الموقف إلى مطاردة مرحة بين الصديقين، وكأنهما ما زالا طفلين يلهوان معًا، غير عابئين بما حدث قبل قليل.
في مكان آخر، داخل قلعة ملك الشياطين، كان زيرفيوس جالسًا على عرشه.
ساد الهدوء المكان، بينما بدا زيرفيوس غارقًا في أفكاره. وبعد لحظات، ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، وقال:
«هممم... مثير للاهتمام.»
ثم أضاف بنبرة حملت اهتمامًا واضحًا بالشخص الذي سمع عنه:
«لقد شوّقتني أكثر إلى لقائك... وسأنهيك بيدي!»
ظل زيرفيوس جالسًا على عرشه، وقد أصبح لقاؤه بإيلورن أمرًا يتطلع إليه.
نعود مرة أخرى إلى إيلورن وهيسو.
بينما كان الاثنان يتجولان في أرجاء مملكة أستريا، وقعت أعينهما على إعلان لأكاديمية السحر، كُتب عليه:
«أكاديمية ثالوزيا الأعظم»
توقفا أمام الإعلان وتأملاه باهتمام. وبعد أن فكرا في الأمر، قررا التقدم بطلب للالتحاق بالأكاديمية، ثم أخذا ينتظران الرد.
وفي أثناء انتظارهما، جلس إيلورن وهيسو معًا، وكان هيسو لا يزال يفكر في اسم الأكاديمية.
التفت إلى إيلورن وسأله:
«هو إنت مش مستغرب إنهم يسمّوا الأكاديمية باسم ثالوزيا؟»
نظر إليه إيلورن بدهشة، ثم قال:
«إنت فعلًا ما تعرفش؟»
أجابه هيسو ببساطة:
«لأ.»
ابتسم إيلورن، ثم قال:
«طيب، هحكيلك.»
وبدأ إيلورن يروي له قصة ثالوزيا أكرمان، ملك السحرة العظيم، والرجل الذي أسّس المملكة وحماها طوال قرون عديدة.
كان ثالوزيا رجلًا عاش حياة طويلة بصورة لا تُصدّق، إذ امتد عمره إلى قرابة خمسة عشر ألف عام. فقد عاش منذ عصر جومون، الذي امتد تقريبًا من عام 14000 قبل الميلاد إلى عام 300 قبل الميلاد، وحتى عصر هييان، الذي امتد من عام 794 إلى عام 1185 ميلاديًا.
وعلى الرغم من تلك القرون الطويلة، ظل ثالوزيا محتفظًا بمظهر الشباب، فلم يكن يبدو عليه عمره الحقيقي.
كما عاش حياة بسيطة وزهيدة، وكرّس سنوات عمره الطويلة لحماية المملكة التي أسّسها، وظل يحميها عبر تلك العصور.
لكن تاريخ ثالوزيا لم يقتصر على تأسيس المملكة وحمايتها؛ فقد كانت تربطه علاقة صداقة بمشعوذ عظيم عاش في عصر هييان، يُدعى أوراثين فاليرون.
كان أوراثين يظهر في هيئة شيطانية مهيبة، بأربع أذرع ووجهين، وكان من أقوى المشعوذين في عصره.
ولم تكن علاقته بثالوزيا مجرد معرفة عابرة، بل كان صديقًا له، كما كانت له معاملات تجارية مع المملكة.
استمع هيسو إلى القصة التي رواها إيلورن، متعرفًا على جانب من تاريخ المملكة والرجل الذي حملت الأكاديمية اسمه.
إيلورن ووالداه
بعد ذلك، كان إيلورن جالسًا مع والديه، فأخبرهما قائلًا:
«أنا وهيسو قدّمنا طلبًا للالتحاق بأكاديمية ثالوزيا.»
نظر إلى والديه منتظرًا ردّهما، لكنه فوجئ بالفرحة التي ظهرت على وجهيهما.
ابتسم والده وقال بفخر:
«أنا فخور بك يا ولدي، أيًّا كانت قدرتك.»
وأضافت والدته بابتسامة:
«خطوة جيدة يا بني.»
لكن والده عاد إلى أمر ظل يشغله، فسأله:
«ألم تعرف ما هي قدرتك طوال هذه السنوات؟»
صمت إيلورن للحظة، ثم أجاب:
«وجدت إنها اللهب العادي.»
تأمل والده إجابته، وظل الشك ظاهرًا على وجهه، وكأنه لم يقتنع تمامًا بما سمعه.
ومع ذلك، لم يواصل سؤاله، واكتفى بالقول:
«حسنًا يا ولدي.»
على الجانب الآخر، كان هيسو جالسًا يتناول طعامه بمفرده، منتظرًا عودة والده.
مرّ الوقت، لكن والده لم يعد.
وبعد قليل، دخل الخادم إلى المكان، وأخبره:
«السيد أودا لن يأتي اليوم.»
توقفت يد هيسو للحظة، وتغيّرت ملامحه. كان غياب والده بسبب انشغاله الدائم بالعمل يتكرر كثيرًا، ومع ذلك، لم يكن الأمر سهلًا عليه.
حاول إخفاء حزنه، ثم قال:
«بالتأكيد هشوفه... بكرة يوم تاني.»
ظل غياب والده يشغل تفكيره، لكنه لم يكن يملك سوى الانتظار.
ومع مرور الأيام، استمر إيلورن وهيسو في لقاءاتهما المعتادة، يتجولان ويلعبان معًا، ويقضيان الوقت في التدريب واستكشاف قدرات إيلورن.
في أحد الأيام، قرر هيسو تدريب إيلورن على استخدام قدرته بصورة أفضل، ومساعدته على استكشاف حدودها.
اختار له مكانًا خاليًا في الغابة، ورتّب عددًا من الأهداف التي يمكنه التدرب عليها.
وقف هيسو أمام إيلورن، ثم قال له بثقة:
«ورّينا قواك!»
رفع إيلورن إصبعه بثقة، وبدأ يركّز اللهب في طرفه، محاولًا توجيهه بدقة نحو أحد الأهداف.
وبعد أن ركّز قوته، أطلق اللهب.
انطلق اللهب نحو الهدف فدمّره تمامًا، ولم يتوقف عنده، بل امتد أثر الضربة إلى الشجرة التي كانت خلفه، فدمّرها أيضًا!
تجمّد هيسو في مكانه، واتسعت عيناه، وظل فمه مفتوحًا من شدة الصدمة.
ثم صاح:
«إيه ده؟ عين الصقر!»
نظر إليه إيلورن بابتسامة واثقة، وقال:
«عيب عليك!»
لم يكتفِ هيسو بما رآه، بل خطرت له فكرة لاختبار دقة إيلورن بصورة مختلفة.
بدأ يقذف الحجارة إلى الأعلى بقوة متفجرة، فتندفع عاليًا في الهواء، وكان على إيلورن أن يصيبها بلهبه ويفتتها قبل أن تسقط.
بدأ الاثنان التدريب، وأخذ إيلورن يطلق لهبه نحو الحجارة المتطايرة، مفتتًا إياها واحدة تلو الأخرى.
استمرا على هذا الروتين حتى نهاية اليوم؛ يتدرب إيلورن على توجيه لهبه، ويساعده هيسو على اختبار قدرته وتحسين دقتها.
مع نهاية اليوم، عاد إيلورن إلى منزله، فاستقبله والداه بفرح.
ثم أخبراه بالخبر الذي كان ينتظره:
«امتحانات القبول الأسبوع القادم!»
فرح إيلورن واحتضن والديه، بينما أصبح موعد الامتحانات أقرب، وبدأت مرحلة جديدة تقترب من حياته.
وفي الجهة الأخرى، عاد هيسو إلى منزله، فوجد الخادم الدو في انتظاره.
قال له الدو:
«هناك بريد جديد يا سيدي.»
التفت إليه هيسو وسأله:
«ما محتواه يا الدو؟»
أجابه الدو:
«الامتحانات الأسبوع القادم يا سيدي.»
أخذ هيسو الرسالة، ثم دخل غرفته.
كان الغضب يملأ صدره؛ فوالده لم يعد إلى المنزل مرة أخرى بسبب انشغاله الدائم بالعمل.
قبض هيسو يده وقال بضيق:
«أعتقد إنه هييجي بكرة.»
ثم بقي في غرفته، بينما ظل غياب والده يشغل تفكيره.
وهكذا، أصبحت امتحانات أكاديمية ثالوزيا الأعظم على الأبواب، واقترب موعد دخول إيلورن وهيسو مرحلة جديدة من حياتهما.
كان كل شيء يبدو وكأنه يمضي نحو امتحانات القبول، لكن ما ينتظرهما لم يكن مجرد امتحانات عادية...
فقد كان هناك شيء أكبر ينتظرهما.