لست الأم الثانية
6 دقائق قراءة · 1,186 كلمة
سيول، كوريا الجنوبية — الساعة 5:30 صباحًا
رنّ المنبّه للمرة الثالثة، لكن كانغ سو يون كانت مستيقظة منذ نصف ساعة.
لم تكن تستيقظ مبكرًا لأنها تحب الصباح، بل لأن حياتها لم تمنحها خيارًا آخر.
فتحت عينيها ببطء، ثم نظرت إلى السقف الأبيض فوق سريرها. كانت غرفتها صغيرة، بالكاد تتسع لسرير وخزانة ومكتب خشبي قديم. وعلى الجدار المقابل، علّقت صورة صغيرة لفتاة ترتدي معطفًا أبيض، وتبتسم بثقة.
كانت تلك الصورة حلمها.
أرادت سو يون أن تصبح طبيبة يومًا ما، لكن أحلامها كانت دائمًا آخر ما تفكر فيه عائلتها.
تنهدت، ثم نهضت من سريرها.
غسلت وجهها، رتبت شعرها الأسود الطويل، وارتدت ملابسها المنزلية قبل أن تتجه إلى المطبخ.
كان المنزل هادئًا.
هدوء قصير، تعرف جيدًا أنه لن يستمر طويلًا.
بدأت بإعداد الأرز وتحضير وجبة الإفطار، ثم أخرجت بعض الخضراوات من الثلاجة لتجهيز الغداء. وبينما كانت تقطع الجزر، سمعت صوت والدتها من غرفة النوم.
— سو يون! أين أنتِ؟
أغمضت عينيها للحظة.
— في المطبخ يا أمي.
— تعالي وساعديني في اختيار ملابسي!
نظرت إلى الساعة. كانت السادسة إلا عشر دقائق، وكان عليها أن تغادر المنزل في السابعة لتصل إلى المدرسة في الوقت المحدد.
— لحظة واحدة يا أمي، سأُنهي الإفطار أولًا.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم جاءها الرد بلهجة منزعجة:
— دائمًا لديكِ عذر! هل طلبت منكِ شيئًا صعبًا؟
وضعت السكين جانبًا، ومسحت يديها بالمنشفة، ثم اتجهت إلى غرفة والدتها.
لم تجب.
فقد تعلّمت أن بعض الإجابات تجعل الصباح أطول مما ينبغي.
---
بعد نصف ساعة، كانت سو يون تضع الأطباق على الطاولة.
دخل والدها، كانغ مين سو، وهو يراجع رسائل هاتفه، وجلس دون أن يرفع عينيه إليها.
بعده بدقائق، ظهرت شقيقتها الصغرى، هانا، ذات الأربعة عشر عامًا، وهي تتثاءب وتفرك عينيها.
— أختي، أين حقيبتي؟
التفتت سو يون إليها.
— بجانب الأريكة، حيث تركتِها أمس.
— لكنني لا أجدها! أحضريها لي.
نظرت سو يون إلى أختها، ثم إلى الساعة.
— هانا، يمكنكِ إحضارها بنفسكِ.
توقفت هانا عن التثاؤب، وحدقت فيها بدهشة.
— ماذا؟
رفعت والدتهما رأسها فورًا.
— سو يون! ما المشكلة في أن تحضري حقيبة أختكِ؟ أنتِ الكبرى، ومن المفترض أن تساعديها.
شعرت سو يون بشيء ثقيل يستقر في صدرها.
لم يكن الأمر متعلقًا بالحقيبة.
كان متعلقًا بكل صباح، وكل مساء، وكل مرة طُلب منها فيها أن تتخلى عن شيء تريده لأن شخصًا آخر لا يرغب في القيام به.
لكنها انحنت، والتقطت حقيبة هانا، ووضعتها بجانبها.
— تفضلي.
ابتسمت هانا ابتسامة صغيرة، ثم عادت إلى تناول طعامها.
أما والدها، فلم يقل شيئًا.
كالعادة.
---
في الساعة السابعة وعشر دقائق، خرجت سو يون من المنزل.
كان الهواء باردًا، والسماء ملبدة بالغيوم. سارت نحو محطة الحافلات وهي تحمل حقيبتها المدرسية الثقيلة، وفي جيبها ورقة مطوية بعناية.
كانت استمارة التسجيل في برنامج للطلاب المتفوقين، يمنح المقبولين فرصة الحصول على منحة دراسية مستقبلية.
احتاجت إلى توقيع والدها.
وقد طلبت منه ذلك قبل ثلاثة أيام.
في اليوم الأول، قال إنه مشغول.
وفي اليوم الثاني، وعدها بأنه سينظر إليها لاحقًا.
أما في اليوم الثالث، فقد نسي الأمر تمامًا.
أخرجت الورقة، وفتحتها، وتأملت المكان الفارغ المخصص للتوقيع.
كان آخر موعد للتقديم يوم الجمعة.
واليوم هو الخميس.
طوت الورقة مجددًا، وأعادتها إلى جيبها.
«سأطلب منه الليلة مرة أخرى»، قالت لنفسها.
كانت تعرف أنها ستسمع العبارة نفسها، لكنها أرادت أن تحاول مرة أخيرة.
---
في المدرسة، كانت سو يون مختلفة قليلًا.
لم تكن أكثر الطالبات كلامًا، لكنها كانت مجتهدة، تحافظ على درجاتها المرتفعة، وتساعد زميلاتها عندما يحتجن إلى شرح درس صعب.
جلست في مقعدها قرب النافذة، وأخرجت كتبها.
بعد دقائق، جلست صديقتها المقرّبة، بارك جي وو، بجانبها.
— صباح الخير! لماذا تبدين وكأنكِ لم تنامي منذ أسبوع؟
ابتسمت سو يون ابتسامة خفيفة.
— لأنني تقريبًا لم أنم.
— مجددًا؟ هل استيقظتِ مبكرًا لتساعدي في المنزل؟
أومأت سو يون.
تنهدت جي وو، ثم سحبت كرسيها أقرب إليها.
— سو يون، هل فكرتِ يومًا في أن تقولي لا؟
رفعت سو يون عينيها إليها.
— وهل تعتقدين أن الأمر بهذه السهولة؟
— لا، لكنكِ لا تستطيعين الاستمرار في فعل كل شيء بمفردكِ.
لم تجب سو يون.
رن الجرس، ودخل المعلم إلى الفصل، فانتهى الحديث.
لكن كلمات جي وو بقيت تتردد في ذهنها طوال الحصة.
هل تستطيع حقًا أن تقول لا؟
أم أن كلمة صغيرة كهذه ستجعلها تبدو ابنة سيئة؟
---
عادت سو يون إلى المنزل في الرابعة عصرًا.
كانت قد أمضت اليوم كله في المدرسة، ثم بقيت ساعة إضافية في المكتبة لإنهاء واجباتها.
كانت تتمنى أن تدخل غرفتها، وتغلق الباب، وتدرس استعدادًا للاختبار القادم.
لكن ما إن فتحت باب المنزل حتى سمعت صوت والدتها:
— أخيرًا وصلتِ! تعالي إلى المطبخ، لدي الكثير من الأشياء لأفعلها.
خلعت حذاءها ببطء.
— أمي، لدي اختبار غدًا، وأحتاج إلى الدراسة.
ظهرت والدتها عند مدخل المطبخ، وعقدت ذراعيها.
— وهل قلت لكِ ألا تدرسي؟ أنهي ما عليكِ أولًا، ثم اذهبي إلى غرفتكِ.
— لكنني أحتاج إلى وقت...
— سو يون!
توقفت عن الكلام.
في تلك اللحظة، خرج والدها من غرفة المعيشة، ونظر إليهما.
ظنت سو يون أنه سيتدخل هذه المرة.
ظنت أنه سيقول إن لديها اختبارًا، وإن من حقها أن ترتاح قليلًا.
لكنه اكتفى بالنظر إلى الساعة وقال:
— لا ترفعي صوتكِ على والدتكِ. افعلي ما تطلبه منكِ، ثم ادرسي.
ثم عاد إلى غرفته.
بقيت سو يون واقفة في مكانها.
لم تكن قد رفعت صوتها أصلًا.
ولم تكن تطلب شيئًا مستحيلًا.
كانت تريد ساعة واحدة فقط لنفسها.
ساعة لا تكون فيها مسؤولة عن أحد، ولا مطالبة بإصلاح شيء، ولا مضطرة إلى الاعتذار عن تعبها.
لكنها ابتلعت كلماتها، وذهبت إلى المطبخ.
---
في العاشرة والنصف ليلًا، انتهت أخيرًا من ترتيب المنزل وغسل الأطباق.
كانت هانا في غرفتها تشاهد مقاطع الفيديو على هاتفها، ووالداها يستريحان في غرفة المعيشة.
أما سو يون، فجلست إلى مكتبها، وأخرجت كتبها.
فتحت الدفتر، وحاولت التركيز في الدرس.
لكن عينيها كانتا تثقلان، ويدها تؤلمها من كثرة الكتابة.
نظرت إلى استمارة المنحة الموضوعة بجانب كتبها.
غدًا آخر موعد للتقديم.
وكانت تحتاج إلى توقيع والدها.
وقفت، وحملت الورقة، ثم خرجت من غرفتها.
وجدته جالسًا على الأريكة، يتابع الأخبار على التلفاز.
— أبي؟
— ماذا هناك؟
مدت إليه الاستمارة.
— أحتاج إلى توقيعك هنا. إنها استمارة التقديم لبرنامج المتفوقين الذي أخبرتك عنه.
أخذ الورقة، وألقى عليها نظرة سريعة.
— ما هذا البرنامج؟
شرحت له الأمر بهدوء، وأخبرته أن المشاركة قد تساعدها في الحصول على منحة دراسية مستقبلًا.
استمع إليها، ثم أعاد الورقة.
— ليس الآن يا سو يون. أنا متعب.
شعرت بأن الكلمات علقت في حلقها.
— لكن آخر موعد هو غدًا.
— قلت لكِ ليس الآن.
نظرت إلى الورقة في يدها.
ثم رفعت عينيها إليه.
— أبي، أرجوك. لن يستغرق الأمر سوى دقيقة.
تنهد بضيق، وأطفأ التلفاز.
— لماذا تصنعين مشكلة من كل شيء؟ يمكنكِ التقديم في وقت آخر.
— لا يوجد وقت آخر...
— انتهى الحديث!
ساد الصمت.
وقفت سو يون أمامه لثوانٍ، تنتظر أن يغير رأيه.
لكنه عاد إلى تشغيل التلفاز، وكأنها لم تكن موجودة.
عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب بهدوء.
جلست على سريرها، ووضعت الاستمارة فوق ركبتيها.
لم تبكِ.
كانت متعبة إلى درجة أنها لم تعد تعرف إن كانت تريد البكاء أم النوم.
نظرت إلى الساعة.
الحادية عشرة إلا ربعًا.
غدًا ستذهب إلى المدرسة، وتجلس في مقعدها، وتبتسم لصديقتها، وتجيب عن أسئلة المعلمين، ثم تعود إلى المنزل لتفعل كل شيء من جديد.
كأن شيئًا لم يحدث.
لكنها هذه المرة لم تطوِ الاستمارة وتضعها في الدرج.
أخرجت هاتفها، وفتحت رسالة من معلمتها كانت قد وصلتها عصرًا.
«سو يون، لا تنسي إحضار استمارة المنحة غدًا. أنتِ من أكثر الطلاب استحقاقًا لهذه الفرصة، ولا أريدكِ أن تضيعيها».
قرأت الرسالة مرتين.
ثم نظرت إلى الباب المغلق.
وللمرة الأولى، فكرت في أن المشكلة ربما لم تكن في عجزها عن تحمل المسؤولية.
ربما كانت المشكلة أنها اعتادت تحمل مسؤوليات الجميع، حتى نسيت أن لها مستقبلًا خاصًا بها.
وضعت الهاتف جانبًا، وفتحت دفترها.
لكن قبل أن تبدأ الدراسة، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
رفعت رأسها.
— من؟
جاءها صوت شقيقتها هانا:
— سو يون... هل أنتِ مستيقظة؟
قطبت حاجبيها، ثم فتحت الباب.
كانت هانا تقف أمامها، تحمل شيئًا صغيرًا بين يديها.
نظرت إلى أختها، ثم قالت بصوت خافت:
— أريد أن أخبركِ بشيء... لكن أرجوكِ لا تغضبي.
توقفت سو يون عن الحركة.
للمرة الأولى منذ بداية اليوم، بدا أن هناك شخصًا في هذا المنزل يريد التحدث إليها، لا ليطلب منها شيئًا، بل ليقول لها شيئًا.
نظرت إلى وجه هانا وسألت:
— ماذا حدث؟
خفضت هانا عينيها، ثم رفعت يدها ببطء.
كان في يدها هاتف والدتهما.
وعلى الشاشة ظهرت رسالة لم يكن من المفترض أن تراها سو يون أبدًا.
رسالة تتعلق بمستقبل سو يون... وبقرار اتخذته العائلة دون علمها.
وفي اللحظة التي بدأت فيها هانا الكلام، انطفأت شاشة الهاتف.
يتبع...