غلاف رواية إيلدوريا إيلدوريابقلم إسماعيل فصل 2

ما لا تقوله السجلات

9 دقائق قراءة · 1,698 كلمة

### إيلدوريا

### الفصل الثاني: ما لا تقوله السجلات

لم يكن آدم المصري يؤمن بأن العثور على ورقة ناقصة يعني العثور على الحقيقة.

فالورقة قد تكون ضاعت، أو أُهملت، أو وُضعت في الملف الخطأ. وقد تكون مرتبطة بخطأ أكبر لم يلاحظه أحد. أما أن تكون دليلًا على جريمة، فذلك أمر يحتاج إلى ما هو أكثر من الشك.

لكن المشكلة التي واجهته صباح ذلك اليوم لم تمنحه وقتًا كافيًا لانتظار الإجابات.

في مخازن فاليريا، كانت الحبوب الموجودة أقل من الكمية المثبتة في السجلات. وفي الخارج، كانت هناك تجمعات سكانية تنتظر حصتها، بينما احتاجت قوة الحراسة إلى المؤن لمواصلة تأمين طريق الإمداد.

أما الإيصال الذي عُثر عليه في نهاية اليوم السابق، فقد فتح سؤالًا جديدًا من دون أن يحل السؤال القديم.

جلس آدم خلف مكتبه، وأمامه ثلاثة ملفات منفصلة.

الأول للكمية الموجودة فعلًا.

والثاني للطلبات التي تنتظر الصرف.

والثالث لكل ما يتعلق بالشحنة التي لم تتطابق سجلاتها.

كان قد أصدر تعليماته بألا تُخلط المعلومات المؤكدة بالاستنتاجات، وألا يتوقف توزيع الغذاء الضروري لمجرد أن التحقيق لم يكتمل. ومع ذلك، لم يكن مستعدًا لإصدار أمر نهائي قبل أن يعرف ما الذي يمكن توفيره، وما الذي سيخسره إذا اختار طريقًا دون آخر.

طرق أحدهم الباب.

«ادخل.»

دخل مارتن، مسؤول مراجعة السجلات، يحمل ملفًا جديدًا.

«جهزت البيانات اللي طلبتها، يا مولاي.»

أشار آدم إلى المقعد المقابل.

«اتفضل. ابدأ بالمخزون الفعلي.»

فتح مارتن الملف.

«تمت مراجعة المخزن حتى الآن، لكننا لم ننتهِ من فحص جميع الحاويات. الأرقام الموجودة في التقرير الأولية، ولن أعتمدها كحصيلة نهائية قبل انتهاء الفحص.»

«كويس. وإيه اللي نقدر نصرفه من غير ما نعتمد على أرقام لسه مش مؤكدة؟»

«نقدر نحدد الكميات التي جرى فحصها وتسجيلها بالفعل، ونفصلها عن الكميات التي ما زالت تحت المراجعة.»

هز آدم رأسه.

«اعمل كده. مش عايز إجمالي واحد يخفي تحته حاجات مختلفة. كل كمية لازم نعرف مكانها وحالتها، وهل هي متاحة للصرف ولا لأ.»

قلب مارتن صفحة في الملف.

«فيه مشكلة تانية، يا مولاي.»

رفع آدم عينيه إليه.

«قول.»

«بعض طلبات الصرف القديمة اتسجلت من غير ما يتضح في الملفات اللي عندنا إذا كانت الكميات اتسلمت بالكامل، ولا اتسلم جزء منها فقط.»

لم يتكلم آدم للحظات.

كان هذا النوع من المشكلات أخطر من خطأ حسابي منفرد؛ لأنه يجعل السجلات نفسها بحاجة إلى مراجعة. ومع ذلك، لم يكن كافيًا ليقول إن أحدًا تعمد إخفاء شيء.

«هل الطلبات دي مرتبطة بالشحنة الأخيرة؟»

«مش كلها. لسه بنراجع العلاقة بينها وبين حركة النقل.»

«يبقى ما نخلطش الملفات. سجّل كل طلب لوحده، وبعدها نقارن التواريخ والكميات. لو لقينا رابطًا، نثبته بالدليل.»

أغلق مارتن الملف.

«حاضر، يا مولاي.»

وقبل أن يغادر، سأله آدم:

«هل وصل مسؤول الحراسة؟»

«هو في انتظارك عند الباب.»

«خليه يدخل.»

كان قائد الحراسة رجلًا عريض الكتفين، تجاوز الأربعين بقليل، وظهرت على وجهه علامات قلة النوم. اسمه غاريك، وكان مسؤولًا عن حماية أحد مقاطع الطريق الذي تمر عبره الإمدادات المتجهة إلى أوريان.

دخل القاعة وانحنى.

«مولاي.»

«اجلس يا غاريك. عايز أفهم احتياجات الحراسة من غير مبالغة ولا تقليل.»

جلس الرجل، لكنه أبقى ظهره مستقيمًا.

«الطريق محتاج قوة كافية لحماية القوافل ونقاط التخزين. ولو قللنا المؤن المتاحة، هنضطر نراجع توزيع الجنود ومهامهم.»

«هل حصل هجوم على الطريق؟»

«لا يوجد هجوم مؤكد في التقارير اللي عندي.»

«هل فيه تهديدات محددة؟»

«وصلتنا بلاغات عن اضطراب حركة بعض القوافل، لكن لم يثبت أن ده مرتبط بالشحنة المفقودة.»

أومأ آدم ببطء.

«إذًا، أنت بتطلب المؤن لحماية الطريق، مش لأن فيه هجوم حاصل بالفعل.»

لم يعجب غاريك التوصيف، لكنه أجاب:

«أطلبها حتى لا ننتظر وقوع الهجوم قبل أن نستعد له.»

«وده حقك. لكن حقي أنا كمان إني أعرف حجم الاحتياج الحقيقي، وإيه اللي ممكن يحصل لو قللنا الحصة مؤقتًا.»

أخرج غاريك ورقة من ملفه ووضعها على الطاولة.

«هنا توزيع الحراسة الحالي، ومواقع الجنود، والمهام اللي بيتولوا تنفيذها.»

أخذ آدم الورقة وراجعها.

لم تكن لديه نية لإدارة الحامية من خلف المكتب اعتمادًا على التخمين. كان يحتاج إلى معرفة النقاط التي لا يمكن تقليل الحراسة فيها، والمهام التي يمكن إعادة تنظيمها من دون تعريض الطريق لخطر غير مقبول.

«عايز منك مراجعة ميدانية. حدد المواقع اللي لازم تفضل بالقوة الحالية، والمواقع اللي ممكن تعيد توزيع الجنود فيها مؤقتًا. مش عايز تخفيضًا أعمى، ومش عايز كمان طلبًا مفتوحًا من غير حساب.»

قال غاريك:

«وماذا عن حصة الحامية الحالية؟»

«هتتحدد بعد ما نراجع الاحتياج الفعلي والمخزون المتاح. مش همنع عنكم المؤن اللازمة لحماية الطريق، لكن مش هعتمد كل طلب لمجرد إنه مختوم بختم عسكري.»

ظل غاريك صامتًا للحظة، ثم نهض.

«سأنفذ المراجعة، يا مولاي.»

وحين خرج، أدرك آدم أن المشكلة لم تعد محصورة في دفاتر المخازن. لقد أصبح عليه أن يختبر دقة كل طلب، مدنيًا كان أو عسكريًا، من دون أن يسمح للشك بأن يتحول إلى عذر لحرمان الناس من احتياجاتهم.

بعد ساعة، وصل تقرير من فريق الفحص.

لم يحمل التقرير اكتشافًا كبيرًا، لكنه احتوى على نتيجة مهمة: بعض الكميات أمكن تأكيد وجودها، بينما ظلت أجزاء أخرى من المخزون بحاجة إلى مراجعة. ولم يكن من الممكن استخدام الرقم الإجمالي في السجل باعتباره الكمية المتاحة للصرف.

قرأ آدم التقرير، ثم طلب إعداد كشف منفصل للكميات المؤكدة، وآخر للكميات غير المحسومة.

وعندما ظهرت نافذة نظام التاج أمامه، كانت بياناتها أكثر ترتيبًا من الأوراق المتناثرة على مكتبه.

\[نظام التاج\]

\[تم تحديث سجل المخزون بناءً على البيانات المدخلة.\]

\[حالة المطابقة: غير مكتملة.\]

\[ملاحظات المراجعة:

* بعض الكميات مثبتة بالفحص الفعلي.

* بعض القيود تحتاج إلى مستندات استلام إضافية.

* لا تتوافر أدلة كافية لتحديد سبب التناقض.\]

\[تنبيه: النتائج الحالية لا تثبت وجود سرقة أو تلاعب متعمد.\]

تأمل آدم المعلومات قليلًا، ثم أغلق النافذة.

لم يكن النظام قد حل الأزمة. لكنه ساعده على رؤية الفرق بين ما يعرفه وما يظنه، وبين رقم مكتوب في دفتر وكمية يستطيع الاعتماد عليها في قرار حقيقي.

وهذا الفرق تحديدًا هو ما احتاج إليه.

استدعى كاتب الأوامر، وأملى عليه قرارًا مؤقتًا بتوزيع الحبوب التي تأكد وجودها، مع الاحتفاظ بالجزء اللازم لتلبية الاحتياجات التي ثبتت ضرورتها بعد المراجعة. أما الحصص المتبقية، فستُحدد وفق البيانات التي يجمعها المسؤولون عن احتياجات المدنيين والحامية.

لم يَعِد الجميع بالكفاية.

ولم يدّعِ أن القرار سيحل الأزمة.

لكنه منع استمرار التأخير من دون خطة واضحة، وألزم المسؤولين بتقديم بيانات قابلة للمراجعة بدلًا من الاكتفاء بطلبات عامة.

وقّع آدم الأمر.

ثم قال للكاتب:

«سجّل إن القرار مؤقت، وإن أي تعديل عليه لازم يكون مبنيًا على معلومات جديدة. مش عايز حد يتعامل معاه كأنه حل نهائي.»

«أمرك، يا مولاي.»

لم تمضِ ساعات طويلة حتى عادت أولى النتائج من تنفيذ القرار.

كانت عملية التوزيع أبطأ مما توقعه بعض الموظفين؛ إذ احتاجت فرق المخازن إلى فصل الكميات المؤكدة عن تلك التي لم تكتمل مراجعتها. لكن التأخير لم يكن بلا فائدة، فقد منع إدراج كميات غير مثبتة ضمن الحصص التي وُعد بها الناس.

وصل إلى آدم تقرير مقتضب عن سير العمل، يتبعه طلب من مسؤول إحدى نقاط التوزيع لتوضيح طريقة التعامل مع الطلبات القديمة التي لا تثبت سجلاتها الاستلام الكامل.

قرأ آدم الرسالة، ثم أمر بمراجعة كل طلب على حدة، مع تسجيل ما تم تسليمه فعلًا وما بقي غير مؤكد.

كان يعرف أن هذه الخطوة ستستهلك وقتًا وجهدًا، لكنها ستمنع الخطأ نفسه من الانتقال من دفتر إلى آخر، ثم التحول مع مرور الأيام إلى حقيقة لا يشك فيها أحد.

ومع ذلك، بقي سؤال الشحنة الأصلية بلا إجابة.

في المساء، عاد إدوارد، مشرف حركة المؤن، إلى مكتب آدم.

كان يحمل تقريرًا عن حركة النقل، وقد بدا عليه الإرهاق.

«راجعت السجلات المتاحة، يا مولاي. لسه ما نقدرش نحدد سبب الفرق في الكمية.»

«هل وجدت ما يثبت أن الشحنة وصلت كاملة؟»

«لا.»

«وهل وجدت ما يثبت أنها لم تصل؟»

«لا يوجد عندي دليل قاطع على ذلك أيضًا.»

وضع آدم القلم جانبًا.

«إذًا، إحنا لسه في نفس النقطة من ناحية السبب. لكن هل عرفنا حاجة جديدة؟»

فتح إدوارد التقرير.

«عرفنا أن بعض مستندات النقل لم تكن مرفقة بالملف الأول، وأننا نحتاج إلى مراجعة مسار الشحنة كاملًا، بما فيه نقاط التسليم الوسيطة. كما ظهرت طلبات أخرى تحتاج إلى مطابقة، لكن لم نثبت بعد أنها مرتبطة بالمشكلة الحالية.»

«ومين مسؤول عن جمع مستندات النقل؟»

ذكر إدوارد أسماء الموظفين المسؤولين عن كل مرحلة، ثم أوضح ما تمكن من التحقق منه وما بقي في انتظار الرد.

استمع آدم حتى انتهى.

«عايز كل واحد يقدّم إفادته عن الجزء اللي كان مسؤول عنه، بناءً على سجلاته واللي شافه بنفسه. مش عايزهم يتبادلوا الاتهامات، ومش عايز إجابات من نوع: أنا متأكد إن فلان عمل كذا، من غير دليل.»

تردد إدوارد.

«قد يستغرق ذلك وقتًا، يا مولاي.»

«عارف. لكن لو استعجلنا واتهمنا الشخص الغلط، مش هنكون حلينا المشكلة. هنكون أضفنا مشكلة جديدة فوقها.»

أغلق إدوارد الملف.

«سأبدأ بجمع الإفادات.»

وبعد خروجه، بقي آدم وحده.

كان القرار المؤقت قد بدأ تنفيذه، لكن أثره النهائي لم يتضح بعد. لم يكن يعرف إن كان المخزون سيكفي لتلبية الاحتياجات العاجلة، ولا إن كانت مراجعة الطريق ستكشف خطأً إداريًا بسيطًا أم سلسلة من المشكلات المتراكمة.

ولم يكن لديه ما يبرر اتهام أي شخص حتى الآن.

لكنه أصبح يعرف شيئًا واحدًا: أن المملكة لا تستطيع الاعتماد على سجل لا يملك أحد القدرة على تفسيره.

في صباح اليوم التالي، وصل إلى مكتب الملك تقرير قصير من نقطة التخزين الأخيرة.

لم يتضمن التقرير اكتشافًا جديدًا عن الشحنة، بل أشار إلى أن أحد سجلات الاستلام يحتاج إلى مراجعة لأن البيانات الموجودة فيه لا تكفي لإثبات الكمية التي دخلت المخزن فعلًا.

قرأ آدم التقرير، ثم طلب إحضار المستند الأصلي، لا نسخة منقولة عنه.

وبعد قليل، وُضعت الورقة أمامه.

راجع التاريخ، ثم قارن البيانات بما ورد في ملف الشحنة.

لم يصل إلى نتيجة نهائية.

لكنه لاحظ أن السجل لا يوضح بصورة كافية العلاقة بين عملية النقل وإثبات الاستلام، وهي فجوة تستحق التحقيق، حتى لو لم تكن دليلًا على ارتكاب مخالفة.

استدعى مارتن.

«هنحتاج نراجع طريقة تسجيل الاستلام نفسها، مش الشحنة دي بس. لو النموذج بيسمح بوجود فرق بين اللي اتنقل واللي اتسجل إنه وصل، يبقى لازم نفهم إزاي ده حصل.»

أجاب مارتن:

«سأراجع النماذج المستخدمة في المخازن الأخرى أيضًا، يا مولاي.»

«راجعها، لكن ما تفترضش إن كل المخازن فيها نفس المشكلة. عايز نتيجة كل مكان لوحده.»

انحنى مارتن وغادر.

عاد آدم إلى مكتبه، حيث انتظرته مجموعة جديدة من الطلبات.

كان عليه أن يتابع التوزيع، ويراجع تقارير الحراسة، وينتظر إفادات المسؤولين عن حركة النقل. وكلما أُغلقت فجوة صغيرة في المعلومات، ظهرت أسئلة أخرى تحتاج إلى إجابات.

لم يكن هذا النوع من العمل يمنحه انتصارًا واضحًا يمكن الاحتفال به.

لم يسقط عدو، ولم تُكشف مؤامرة، ولم تُحل أزمة المملكة في يومين.

لكنه بدأ يغيّر الطريقة التي تُتخذ بها القرارات.

بدلًا من أن يمر الطلب من مكتب إلى آخر حتى يصبح حقيقة لمجرد تكراره، صار كل مسؤول مطالبًا بتحديد مصدر معلوماته، وما يستطيع إثباته، وما لا يزال بحاجة إلى التحقق منه.

وكان هذا التغيير، على بساطته، كافيًا لإزعاج من اعتادوا أن تمر الأمور من دون أسئلة.

لكن آدم لم يكن يعرف بعد إن كان أحد قد انزعج فعلًا، ولا إن كان لهذا الانزعاج أي علاقة بالشحنة.

لم تكن لديه أدلة تسمح له بالوصول إلى ذلك الاستنتاج.

وفي الوقت الحالي، كانت الأدلة هي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الاستغناء عنه.

فتح دفتر المتابعة، وكتب في أعلاه:

«لا تُعتمد الكمية المسجلة باعتبارها كمية مستلمة قبل التحقق من إثبات الاستلام.»

ثم أغلق الدفتر.

في الخارج، استمرت حركة العربات بين المخازن ونقاط التوزيع. وبدأت أولى نتائج القرار المؤقت تظهر، بينما ظلت احتياجات المدنيين والحامية أكبر من أن تُحسم بقرار واحد.

أما الشحنة التي بدأت منها الأزمة، فقد بقيت معلقة بين سجل يقول إنها وصلت، ومخزون لا يقدم حتى الآن ما يكفي لتأكيد ذلك.

لم يعرف آدم من المسؤول.

ولم يعرف حتى إن كان هناك مسؤول واحد عن المشكلة كلها.

لكنه عرف أن المرحلة التالية لن تكون مجرد مراجعة للأرقام؛ بل تحقيقًا في سلسلة من القرارات والتسليمات التي اعتمد بعضها على بعض.

وكان عليه أن يبدأ من أول حلقة يمكن إثباتها.

نهاية الفصل الثاني