العبور إلى عالم أزار
5 دقائق قراءة · 943 كلمة
تدور في مخبر سلمى دوائر من الضوء حول البوصلة الكونية، كأنها دودة نور تلتف حول قلب الباب. يرن جهاز القياس كأنه حوتٌ من زجاج ينهل من البحر، وتتحرّك خطوطه على شاشاته كعروق من ياقوت. سلمى تجد في قلبها من الشجاعة ما يكفي لتقف على عتبة المخبر، وتتنفّس هواءً مالحاً يبدو كأنه يزيح عن كتفيها عبء سنوات من الحسابات والرموز.
أصوات البحر من بعيد تعلو، ثم يتلاشى. البوصلة الكونية، التي لم تكن مجرد أداة قياس وإنما مفتاحاً لزمانٍ قابع في طياتها، تزداد لمعاناً وتصدر زئيراً ضعيفاً كأن في داخلها حُرّاسٌ صغار يهمسون: إن الطريق أمامك ليس طريقاً واحداً. سلمى ترفع عينيها وتلمح في الظلال عند باب المخبر ظلّاً يقف كأنّه سِجلٌ مهمل من كتب الماضي. ليس ظلّاً واحداً، بل ظلّان يتدافعان في الضوء: عادل، الحارس من مملكة أراز، ووجودٌ آخر يبدو كنسمةٍ من عالم غير العالم الذي تعيش فيه سلمى.
هل تودين المتابعة؟ صوتٌ من خلف الستائر، ليس صوت سلمى ولا عادل، بل صوتٌ يأتي من عمق البصيرة. على الشفرة، كُتب: “إن لم تعودي من الباب، فالباب لن يُفتح ثانية”.
تتقدم سلمى بخطواتٍ ناعمة نحو الجهاز، وتضع يديها فوق سطحه؛ يزداد نبضها حين تشعر أن البوصلة تُعدّ قراءةً جديدة، كأنها تقرأ من صفحة زمنٍ لم يُكتب بعد. ثم تتخذ القرار: هو العبور. لا شيء يخبح حماستها الآن، سوى قدرٍ يجعل من خطوة واحدة عبوراً بين العوالم.
عندما تلمس أصابعها سطح البوصلة، ينفجر الضوء من قلب الجهاز كأنّه ولّاعةٌ أَحيت العالم من غفوته. الوميض يهرق من كل زاوية، وتدور الأرضية حولها بنعومة كالأسطوانة الزهرية. العالم من حولها يغدو كلوحةٍ هزيلة لا تستقر على شكل واحد: البريق يعلو، والظلال تُسري كأنها سيّارة من دخانٍ مطرز بالنجوم. ثم تتبدل التفاصيل: لم تعد العوالم مجرد أسمٍ على ورق؛ أصبحت هناك روحٌ تتحرك وتتنفّس بين خطوط الضوء.
عندئذ، يلمح عادل نفسه من خلال باب المخبر، ليس كحارسٍ خلف بابٍ، بل كظلٍّ يظهر من قلب العتمة إلى مواجهة الضوء. عينا عادل لا تتحولان إلى سحرٍ فحسب؛ بل تعبران الحدود كما تعبر خطاً من حليب الليل إلى فضة الحاضر. يبدو وكأن العالمين يلتقيان في شقّة زمنٍ بينهما.
سلمى؟ يقول عادل، لكن صوته ليس نداءً بل سؤالٌ يقطر حذراً.
نعم، أقدر أن باب العبور لم يُغلق. قلتها لنفسي قبل أن أضع قدمي في الضوء، لكنها الآن تصبح واقعاً، ترد سلمى بنبرة ثابتة.
عادل يقترب من الباب، وخطواته تتردد كأنها تمزج الخوف بالحكمة. يمد يده نحو الشقّ الذي انفجر منه الضوء، ويضع أحد أصابعه على سطحه. يلمس بشرة الضوء كما لو كان يلمس صفحةً من كتابٍ قديم، فتتغير درجات اللون وتزهو ألوانٌ لم تولد من قبل.
إذا دخلتِ، فاعلمي أن العالمين ليسا آمنين كما تعتقدين، تقول عادل بهدوء، كمن يحذر من العاصفة قبل أن تبدأ.
لستُ خائفة. إن كان هناك ثمن، فليكن الثمن معقوداً بيننا نحن الاثنين، ترد سلمى بثقة، وتخطو خطوةً أكثر نحو الضوء.
العبور يحدث كنسمةٍ من بهاء. تتدحرج سلمى عبر البوابة كأنها ورقةٌ تطير في مهبّ رياحٍ لا تقدر الأمور على كبحها. في لحظة، تتحول الأرضية تحت قدميها إلى ساحةٍ من الصخور السوداء، وتنهال عليها أصداء لم تسمعها من قبل: همسات الماضي وتوقٌ إلى حُلم لم يعد بعيداً. الهواء هنا يختلف: مشبع بروائحِ ترابٍ عطِرٍ، وبردٍ يلسع الخدّين كما لو كان البحر يعانق البرّ مرةً أخرى.
أراز، أرض الظلال، تقف أمامها كقالبٍ من الأحلام الثقيلة. إن لم تكن مدينة النور والمرآة نفسها، فهى على الأقل انعكاسٌ لها، لكن في مزاجٍ أعنف وأكثر قيوداً. الأبنية عالية، منحنية كأذرعٍ تحتمي من رياحٍ لا تهدأ، والنوافذ ليست سوى عيونٍ ترقب كل خطوة. السماء هنا ليست أزرقاً كما تعهّدت عيون سلمى؛ إنها مزيج من الرمادي واللون البنفسجي، وتحتها يلمع خط من ندىٍ فضي يخترق الليل كما لو كان طريقاً للروح.
في تلك اللحظة، يلمحها عادل من باب البوابة على الجانب الآخر من الزمن، ولكن ليس كحارسٍ فقط؛ بل كمرشدٍ في عالمٍ لا يعرف الاختمار. عبرةٌ في عينيه تقول: قد تكون هذه بداية شيءٍ عظيم، وربما نهاية لطريقٍ آتٍ.
أنتِ هنا لمراقبة الزمن؟ يسألها صوت من بعيد. ليس صوت عادل بالضبط، بل صوتٌ يأتلف من زرقة العتمة وكُلّها معاً.
يتعرّف على الغرفة التي دخلت منها سلمى بأنها ليست مخبراً بل صالة استقبال في قلب مدينة أراز، حيث تقف مراياٌ ضخمة تتقاطع فيها خطوط الضوء كشبكة عنكبوتٍ من البلور. المرايا تعكس وجوه العوالم، وتُظهر في كل وجهٍ صورةً مختلفةً عن العالم الآخر. سلمى ترى نفسها في المرآة، لكن ليس كما هي: تشعّ خطوطٌ من ياقوت في عينيها، وشعرها يلمع كأنه مصدرٌ خفي للضوء.
تُعَرفها الأرض بنسيجها الجديد: الطقس هنا بارد، لكن ليس قاسياً، بل يحمل في نفسه ارتخاءً يجعل من كل حركةٍ صدىً. تسمع أصوات المدينة كأنها سلسلة موسيقية منسوبة إلى زمنٍ بعيد: حفيفٌ من أزياءٍ جلدية، طنينُ أقفالٍ من معادن لامعة، وضحكاتُ أطفالٍ تتناثر كالفقاعات في الهواء.
صُدفة أم قدر؟ تسأل سلمى وهي تراقب عادل يتقدم نحوها عبر الشقّ الزمني كأنه يخرج من رداء الظلال.
لا فقط قدر، بل اختبار. أنتِ جاءتِ هنا لتفتحِ باباً بين عالمين، وهذا الباب يتطلب توازناً صارماً. يقول عادل وهو يمد يده للبوابة كمن يربت على كتف تاريخٍ طويل.
تدور في رأس سلمى فكرةٌ واحدة: لهذا الطريق ثمنٌ، ولابد أن تكون قادرةً على تحمّله. تتحرك خطواتها نحو عادل، وتلمس كفّه بلطف، كأنها تُذكّره بأن الطريق ليس وحيداً. تقيس عينيها المسافة بينهما، وتجد أنهما ليسا بعيدين كما كانتا في مخبر المدينة.
إذا بقيتُ هنا، سأكون مسؤولة عن هذا الباب، قالت سلمى بنبرة حازمة. وأنت، ما الذي تقوله لروحك عندما ترى أن العالمين يلتقيان بقلوب البشر؟
أنني سأكون هنا للمحافظة على التوازن، وليس لحماية قلبٍ واحد فقط. إذا كان الحب سيعلو فوق الخوف، فسنستطيع سويّاً أن نعبر هذه العتمة، يرد عادل بهدوء، وتنخفض حدة صوته كأنّما يقبض على نسمةٍ من الليل ليشرحها.
يتوقف الزمن حولهما، كأنه ينتظر إشاراتٍ من قلبهما: هل ستجتمع المعارف مع العاطفة في هذا المكان؟ هل ستُقبل العلاقة بين سلمى وعادل على اختبارٍ لا يخفى عليهما ثمنه؟ إن كان باب العبور يفتح دوماً، فسيكون العيش في عالمين معاً تحدياً أكبر من أي حلمٍ قد نجح في اختباره من قبل.