﴿عَتَبةُ العَودَة﴾ الضَّياعُ الأكَبَربقلم Jojo Mas فصل 2

﴿عَتَبةُ العَودَة﴾

3 دقائق قراءة · 425 كلمة

صَعْبٌ يا صديقي، صَعْبٌ حَقًّا حين تَجْلِسُ مع نفسك في ذلك اليوم، وتَتَأَمَّلُ، تُفَكِّرُ في الأيام الخوالي... تُفَكِّرُ وتُفَكِّرُ، ثم تُدرِكُ في النهاية أنك كنت سجينًا لِتَأَمُّلاتٍ مُسْتَقبَلِيَّةٍ. ظَنَنْتَ أنك تَعْلَمُ ذلك الأمر بدِّقة، ثم يأتي ذلك الأمر ليُعَلِّمَكَ كم كنت تَجْهَلُهُ. ربما، أو أحيانًا لا يكون كلامًا ولا موقفًا؛ ربما يكون شخصًا فعل ذلك الموقف، أو ربما يكون الشخص بحد ذاته.

صَعْبٌ حَقًّا حين تَظُنُّ أنك لست ضائعًا ولا تائهًا، ثم تُدرِكُ العكس. بين الحين والآخر تُفَكِّرُ: هل حقًا الضياع والتيه كما يقولون في القصص والأفلام، حين يضيع ذلك المستكشف في عُمْقِ البادية، أو يتيه في المحيط، أو يفقد الطريق الصحيح للعودة؟! حينها تأتي تلك الفكرة إلى بالك لِتُحْيِيَ الفكرة نفسها؛ لِتُدرِكَ أن معنى الضياع والتيه أكبر بكثير... ليس فقط في تلك الأمور وما شابهها؛ لِتَعِيَ أن الضياع الأكبر، والتيه الأشد إيلامًا وأثرًا في النفس، هو أن تفقد الطريق إلى نفسك.

حين تجلس مع نفسك تَتَسَاءَلُ: من أنا؟ لماذا أنا هكذا؟ ما الهدف من العيش في هذه الدنيا؟! شعور الضياع داخل نفسك، وداخل أفكارك، أصعب بمرات من الضياع في غابة أو محيط. (لا أنكر أن الضياع والتيه في أي شيء شعور قاسٍ).

ما الحل إذًا؟ إلى متى؟! يا صديقي، لننظر إلى جانبك الديني، وهو الأهم. لننظر إلى قدوتنا جميعًا، «النَّبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم». ألم تأته لحظاتٌ من الحزن والهم والغم؟ ماذا كان يفعل حينها؟ أكان صلّى اللّه عليه وسلّم يستسلم لحزنه وهمه ويجلس بلا أمل؟ بالطبع لا.

أقول لك: أَتُصَلِّي بانتظام؟ أَتَحْمَدُ الله على ما أنت فيه اليوم؟ أَتَقُومُ فَتُصَلِّي ولو ركعة واحدة حين يسكن الليل؟ أَتَقْرَأُ آيات من القرآن؟ أَتَبَرُّ بوالديك؟ ... إلخ.

يا صديقي، أنت تائه لأنك لا تعلم جهة البوصلة الحقيقية لطريق العودة، ألا وهي أن تبدأ بروحك، أن تبدأ بنفسك. الروح يا صديقي مثل الطفل الصغير؛ إن انتشلته من حضن أمه - وللّه المثل الأعلى - بكى وحزن. ينطبق الشيء ذاته على أرواح العباد يا صديقي؛ إن أبعدتها عن ذكر اللّه وعبادته وشكره، باتت مرهقة، تائهة، وكئيبة، إلى أن تعيد شحنها بذكر اللّه وعبادته. يا صديقي، دع الروح تتصل بخالقها.

يا صديقي، كلنا نضعف، وكلنا سيأتيه ذلك اليوم الذي يتمنى فيه أن يجلس دون أن يسمع صدى أفكاره يتلاطم في رأسه لِيُثْبِتَ له ضياعه أكثر فأكثر. لكن إلى متى يا صديقي؟! صَحِّحْ بوصلتك... حاول وحاول، وَاظْفَرْ بشرف المحاولة؛ فالنجاح أو الوصول إلى الهدف المنشود ما هو إلا محاولة ناجحة سبقها الكثير.

وتذكر: ليس الضياع أن تفقد الطريق، بل أن تفقد البوصلة التي تَدُلُّكَ على نفسك. وليس العيب أن تَتِيهَ، بل العيب أن تَبْقَى تائهًا وقد كان في يدك أن تَعودَ.

{أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}

فلا تدع ضجيج أفكارك يَخْدَعْكَ؛ ففوق كل تِيهٍ طريق، وفي قلب كل ظلمة نور، ما دمت ترفع يديك وتقول: يا رب.