ظننتها اميبقلم رشاد امين فصل 2

البارت ١꧂꧂꧂

8 دقائق قراءة · 1,403 كلمة

هناك أشياء حدثت في طفولتي، وما زالت تفاصيلها عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.

رغم أنني كنت صغيرة جدًا، تقريبًا في الخامسة من عمري، إلا أنني ما زلت أتذكر بعض المواقف وكأنها حدثت أمامي بالأمس. أتذكر المكان، وبعض التفاصيل الصغيرة، وحتى الأشياء التي كنت أفعلها وأنا طفلة، ولم أكن أفهم وقتها لماذا أفعلها أو ماذا يمكن أن يترتب عليها.

كانت تلك الفترة في بيتنا القديم في صنعاء.

كان البيت بسيطًا، يتكوّن من غرفتين ومطبخ وحمام. وكان الحمام بجانب المطبخ. وللدخول والخروج من البيت كان هناك باب يفتح على الشارع، وعند الخروج من البيت كنت أصعد درجة، وعندما أدخل من باب الشارع إلى البيت أنزل درجة.

وبمجرد أن أدخل من باب الشارع، يكون المجلس على اليمين. وكان المجلس في ذلك الوقت أيضًا غرفة أخي.

أما غرفة أمي وأبي فكانت بعيدة عن المجلس، بعيدة جدًا، وليست بجانب المطبخ أو الحمام أو المجلس.

والغريب بالنسبة لي أنني، رغم أنني كنت طفلة صغيرة، ما زلت أتذكر ترتيب البيت وتفاصيله إلى الآن. أحيانًا أتساءل كيف بقيت هذه الأشياء في ذاكرتي، وأنا كنت أظن أنني عندما أكبر سأنسى كل شيء.

لكن يبدو أن بعض الأشياء لا تنساها الذاكرة بسهولة.

في يوم من الأيام لم يكن عندنا ماء.

وكانت العائلة قد أحضرت أوعية كبيرة من الماء، تقريبًا خمسة لتر أو عشرة لتر، حتى نستخدمها في البيت.

وأنا كنت طفلة صغيرة، فأخذت بعض الماء وذهبت وسكبته في الحمام.

رأتني أمي وأنا أفعل ذلك.

ذهبت أمي إلى المطبخ وأحضرت عود الثقاب وأحرقتني به في يدي.

وقالت لي:

"قولي والله ما تعيديها."

وأنا من شدة خوفي وألمي بدأت أبكي وقلت:

"والله ما أعيدها."

كان الوقت في الصباح.

كان أخي وأختي التي توفيت فيما بعد وأبي ما زالوا نائمين.

أما رشاد فلم يكن موجودًا في ذلك الوقت، لأن رشاد جاء بعد ذلك عندما كنت تقريبًا في السابعة أو الثامنة من عمري.

بعدها لمست يدي مكان الحرق، فوجدت أثرًا دائريًا واضحًا.

لم يكن بالضرورة حرقًا عميقًا أو كبيرًا، لكنه كان واضحًا، وكنت أستطيع أن ألمس المكان وأشعر بالدائرة في يدي.

كنت صغيرة، ولم أكن أفهم وقتها لماذا حدث كل ذلك، لكنني كنت أعرف أن يدي تؤلمني وأن هناك أثرًا بقي عليها.

وفي يوم من الأيام كنت جالسة في المجلس، وكنت حاضنة الدبدوب الذي جاءني من عيد ميلادي أنا وأختي، وكان ذلك أول وآخر عيد ميلاد أقامتهو لنا العائلة منذ أن ولدنا. وكان في المكتبة ملاعق ودببة وعرايس.

وفجأة جاءتني فكرة غريبة.

قلت في نفسي:

"لو أكسرهم، مستحيل يخلصوا."

فبدأت أكسر الملاعق واحدة تلو الأخرى.

وكان الدبدوب معي وأنا أكسرها، وكنت حاضنته.

ثم رأتني أمي.

وجاءت وضربتني.

وأنا عندما بدأت أمي تضربني، حضنت الدبدوب أكثر، لأنني كنت أبحث عن الأمان، وكأنني كنت أحاول أن أجد شيئًا يحميني وأنا خائفة.

فقالت لي أمي:

"راح أوريكي لما أبوك يطلع."

وبعد ذلك طلع أبي وذهب إلى العمل.

وبعد أن خرج أبي، بدأت أمي تضربني مرة أخرى.

وكانت تقول لي:

"ليش كسرتِ الملاعق؟"

وأنا كنت أقول لها:

"كنت أفكر إذا كسرتهم ما راح يخلصوا."

وبعدها ضربتني أمي بخرطوم الماء، وكان خرطومًا غريبًا أو غير معتاد بالنسبة لي، وضربتني به على يدي.

ثم قالت لي:

"قومي مشّي أختك."

كانت أختي وقتها صغيرة جدًا، ولم تكن تستطيع المشي بشكل جيد، أو لم تكن قد أصبحت قادرة على المشي أصلًا.

لم تكن المشكلة أنها لا تريد أن تمشي، وإنما لأنها كانت صغيرة.

وأنا كنت طفلة، فغضبت منها وقلت لها:

"امشي، امشي بسرعة."

وعندما أتذكر هذا الموقف الآن، أسأل نفسي: لماذا غضبت من أختي؟

ما ذنب أختي المسكينة؟

لكنني كنت طفلة، ولم أكن أفكر وقتها بالطريقة التي أفكر بها الآن. كنت أعيش الموقف كما هو، ولم أكن أملك الوعي الكافي لأفهم أن أختي لم تكن السبب في شيء.

وكانت أمي دائمًا تحذرنا وتقول لنا:

"لا تطلعوا برا البيت، انتبهوا لا تطلعوا برا."

لأننا كنا كفيفات، وكانت تخاف علينا من الخروج.

وفي يوم من الأيام، وكان ذلك في رمضان، خرجت أنا وأختي إلى خارج البيت.

وأنا أتذكر أنه كان في رمضان لأن أمي لم تكن تحضّر لنا العشاء في النهار عادة، إلا في رمضان.

لكننا لم نذهب بعيدًا.

كنا قريبين جدًا من خزان الماء، وكان خزان الماء قريبًا من باب الشارع مباشرة.

خرجنا إلى هناك، وبقينا فترة قصيرة، ثم رجعنا إلى البيت.

عندما رجعنا، سألتنا أمي:

"وين كنتوا؟"

فقلنا لها:

"كنا برا عند خزان المي."

فقالت:

"ليش طلعتوا وأنا قلت لكم لا تطلعوا من البيت؟"

ثم قالت لنا:

"والله إني راح أحرقكم."

فبدأنا نبكي.

وبعد فترة سألتنا أمي:

"ليش عم تبكوا؟"

وأنا إلى الآن أستغرب من هذا السؤال، لأنها كانت تعرف لماذا نبكي.

فقلنا لها:

"لأنك قلتي راح تحرقينا."

فقالت لنا إنها لن تحرقنا، لكنها حذرتنا مرة أخرى وأخبرتنا ألا نكرر ما فعلناه.

وبقينا نبكي ونقول:

"والله ما نعيدها، والله ما نعيدها."

وكانت أمي أحيانًا تشتري لنا ألعابًا.

كانت تشتري لنا دمى، ومطابخ ألعاب، وأشياء كثيرة.

وفي فترة من الفترات اشترت لي ولأختي دمى جميلة جدًا.

لكن الغريب أنها لم تكن تسمح لنا باللعب بها.

وأخذنا العرايس.

فسألتنا أمي:

"ليش أخذتوهم؟"

فقلنا لها:

"العرايس قالوا بدهم ماما."

لكن أمي لم تكن تسمح لنا باللعب بالدمى، وكانت تجعلنا نعيدها.

وأنا في ذلك العمر كنت أريد أن أصبح مثل أمي.

كنت أريد أن أصبح "ست بيت".

وفي يوم من الأيام دخلت إلى المطبخ.

وأخذت كل البهارات الموجودة، ووضعتها كلها في صحن واحد.

ثم أخذت المدق الذي كانت أمي تستخدمه لدق الفلفل والثوم وأشياء أخرى.

كنت أريد أن أصنع طبخة.

وبعد أن أصنع طبختي، كنت أريد أن أعجن العجينة أيضًا.

كنت أرى أمي تطبخ شيئًا وتتركه على النار، ثم تذهب لتقوم بأعمال أخرى مثل العجن، فكنت أريد أن أفعل مثلها.

وكانت البهارات التي وضعتها معًا هي بالنسبة لي "الطبخة".

ثم حاولت أن آخذ العجينة، لكنني لم أستطع التعامل معها.

فأخذت المدق وذهبت إلى جدي، والد أمي.

كان جدي نائمًا.

جلست بالقرب من رجله أو قدمه، وبدأت أدق بالمدق، مع أنه لم يكن هناك شيء أصلًا لأدقه.

كنت فقط ألعب وأقلد ما كنت أراه في المطبخ.

ولما صحي جدي عشان نفطر، قال لأمي بما فعلته.

وأمي كانت تضحك وتقول كلامًا مثل:

"الحمد لله اللي ما قدرت تاخذ العجينة."

وأنا فعلًا لم آخذ العجينة.

أما صحن البهارات فلم آخذه معي أصلًا، بل تركته في المطبخ، ولو كنت أخذته معي لكانت مصيبة.

وفي يوم آخر كانت أمي قد صنعت جاتوه.

وكان أحد أصدقاء أبي قد أحضر مرهمًا، ولم أكن أعرف وقتها ما هو هذا المرهم أو لماذا يستخدم.

وأنا كطفلة أخذت منه وأكلته، لأنني ظننته شيئًا يمكن أكله، وكانت نفسي تلعي.

وبعد ذلك كانت أمي تطعمني الجاتوه، وكنا جالسين في غرفة أمي وأبي، فقلت لها:

"يمه، أنا أكلت المرهم."

فقالت لي:

"الله يهديك، بس هذا مو للأكل."

وأنا في ذلك العمر لم أكن أعرف أصلًا أن المرهم ليس شيئًا يؤكل.

وفي يوم آخر أخذت دميتي وقررت أن أطعمها.

لكنني كنت أظن أن الدمية تأكل بطريقة مختلفة.

فبدأت أشيل عيونها أول شيء، وبعدين أدخل الملعقة في مكان العيون، وكأنني أطعمها.

رأتني أمي، فقالت لي:

"لا يا بنتي، هي ما تاكل كذا، هي تاكل من هنا."

وأشارت إلى فم الدمية، وشرحت لي أن الدمية تأكل من فمها.

وفي يوم آخر أخذت الدبدوب.

وقلت لأمي:

"أمي، راح أروح أطعم الدبدوب."

فقالت لي:

"تمام."

وذهبت إلى المطبخ، وأخذت صحنًا وملعقة، وطعمت الدبدوب.

وبعدين رجعت لعند أمي، وقلت لها:

"أمي، طعمت الدب."

فقالت أمي لأسامة:

"يا أسامة روح شوف جمانه شو طعمت الدبدوب."

فذهب أسامة ليرى ماذا فعلت.

وعندما ذهب وشافني، قال:

"ولا شيء."

وأنا كنت قد رجعت لعند أمي، وكان الدبدوب معي.

وبالنسبة لي، كان الأمر طبيعيًا جدًا.

كنت طفلة، وكانت الألعاب بالنسبة لي عالمًا أعيش فيه بخيالي.

كنت أطعم دميتي، وأطعم الدبدوب، وأحاول أن أصبح "ست بيت"، وأقلد ما أراه من الكبار من حولي.

لم أكن أعرف وقتها أن بعض الأشياء التي أفعلها ستبقى في ذاكرتي كل هذه السنوات.

كنت فقط طفلة تعيش أيامها، تلعب، تخاف، وتتعلم الأشياء بطريقتها الصغيرة.

وربما لهذا السبب ما زالت بعض تلك التفاصيل عالقة في داخلي حتى اليوم.

وفي يوم من الأيام كنت جالسة في المجلس، وكان أمامي مقلى فيه فول. وكان المقلى عندنا في اليمن، وهو إناء دائري نضع فيه الفول.

وكان أمامي أيضًا عصّارة يد.

وأنا كطفلة، ما أدري ماذا كان يدور في رأسي وقتها، لكنني أخذت الفول ووضعته على العصّارة وبدأت أعصره.

كنت أفكر وأتساءل ماذا سيحدث لو عصرت الفول.

ولا أعرف إلى الآن ماذا كنت أريد أن أفعل بالضبط.

بعدها، لا أدري ماذا فعلت بذلك الفول، لكنني أكلت منه، ثم رجعت ألعب وكأن شيئًا لم يحدث.

وبعد فترة قلت لأمي:

"أمي، أنا عصرت الفول."

فقالت لي:

"ليش عصرتيه يا بنتي؟"

فقلت لها:

"ما بعرف."

وبصراحة، إلى اليوم لا أعرف ماذا كنت أفكر وأنا أعصر الفول.

كنت فقط طفلة، وأحيانًا كانت تأتيني أفكار غريبة، فأجربها من دون أن أعرف لماذا أفعلها أو ماذا سيحدث بعدها.

وهكذا كانت أيام طفولتي، مليئة بمواقف صغيرة وغريبة، بعضها أضحكني عندما كبرت، وبعضها بقي في ذاكرتي بكل تفاصيله.

وهذه كانت واحدة من تلك الذكريات التي ما زلت أتذكرها إلى اليوم.

انتهى البارت