صوتك أنتبقلم صدى القارئ فصل 1

قيد خفي

3 دقائق قراءة · 538 كلمة

في الليل تبدأ الحقيقة، ليس لأن الليل مختلف، بل لأنك لم تعد تستطيع الهروب. كل شيء يهدأ من حولك؛ الأصوات تختفي، الحركة تتلاشى، وحتى العالم يبدو وكأنه أخذ استراحة قصيرة… إلا عقلك.

هناك، في الداخل، لا شيء يهدأ. فكرة تجرّ فكرة، سؤال يفتح باب سؤال، وكل الطرق تقود إلى نفس المكان… الناس.

لماذا لم يسأل؟ لماذا لم يهتم؟ لماذا تشعر أنك دائمًا الشخص الذي يعطي أكثر؟

تحاول أن تغيّر وضعيتك، تقنع نفسك أن الأمر بسيط، عادي، لا يستحق كل هذا التفكير… لكنك تعرف الحقيقة. هذا ليس تفكيرًا عابرًا، هذا تعب. ليس تعب الجسد الذي يزول بالنوم، بل تعب الانتظار الذي يزداد كلما مرّ الوقت.

منذ متى وأنت تؤجل راحتك؟ منذ متى وأنت تقول لنفسك: "غدًا سيتغير شيء"؟

ربما لم تنتبه متى بدأ ذلك، لأنه لم يكن واضحًا في البداية. كان مجرد رغبة صغيرة، اهتمام بسيط، كلمة لطيفة، شعور أنك مهم في حياة أحد.

لكن هذه الأشياء الصغيرة، مع الوقت، كبرت. تحولت من رغبة إلى حاجة، ومن حاجة إلى اعتماد، حتى أصبحت حالتك النفسية مرتبطة بأشياء لا تملكها أصلًا… ردودهم، اهتمامهم، وجودهم.

وهنا بدأت المشكلة، لكن ليس كما تظن. لم تبدأ عندما تجاهلوك، ولا عندما لم يعطوك ما أردت، بل بدأت عندما وضعت راحة بالك في مكان ليس لك. عندما ربطت هدوءك الداخلي بتصرفات أشخاص لم يُدركوا يومًا هذا الوزن.

تعيد في رأسك كل شيء؛ كل المواقف التي شعرت فيها أنك تعطي أكثر مما تأخذ، كل اللحظات التي انتظرت فيها ردًا لم يأتِ، أو اهتمامًا لم يظهر، أو تقديرًا لم يكن موجودًا أصلًا.

تتذكر كيف كنت تبرر لهم، تخلق أعذارًا، تقنع نفسك أن هناك سببًا خفيًا لكل شيء… لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك بكثير، وأقسى أيضًا: لم يكن هناك شيء قادم.

تسأل نفسك بصمت: "لماذا أنا هكذا؟"

لكن السؤال يتغير تدريجيًا، يصبح أوضح وأصدق وأكثر إيلامًا: "لماذا ما زلت أنتظر؟"

وهنا يتوقف كل شيء للحظة، لأن هذا السؤال لا يترك لك مكانًا للاختباء. لا يتهم أحدًا، لا يلوم الظروف، بل يعيدك إليك… إلى قراراتك، إلى أوهامك، إلى كل مرة اخترت فيها أن تؤجل حياتك من أجل احتمال.

ربما لم يكن أحد ملزمًا أن يكون كما أردت، وربما لم يكن الخطأ في أنك أعطيت، بل في أنك أعطيت وأنت تنتظر المقابل؛ تنتظر أن يعود إليك كل شيء بنفس الشكل، بنفس الاهتمام، بنفس الشعور.

لكن ذلك لم يحدث، ولن يحدث بالطريقة التي تخيلتها، ليس لأنك لا تستحق، بل لأن الحياة لا تعمل بهذا التوازن الذي رسمته في رأسك.

تفتح عينيك في الظلام، لا شيء تغيّر من حولك، لكن داخلك لم يعد كما كان قبل دقائق. هناك شيء انكسر، أو ربما شيء انكشف.

كل تلك السيناريوهات التي بنيتها، كل التوقعات التي عشت عليها، كل الآمال التي علّقتها في الهواء… لم تكن حقيقية كما ظننت. كانت مجرد أفكار، احتمالات، قصص أقنعت نفسك بها حتى بدت كأنها واقع.

تتنفس ببطء، وتشعر بثقل غريب، لكنه مختلف هذه المرة. ليس ثقل الحزن فقط، بل ثقل الفهم.

ماذا لو لم يكن أحد قادمًا؟ ماذا لو أن كل هذا الانتظار كان بلا نهاية؟

السؤال ليس مخيفًا كما يبدو، بل صادق بشكل مؤلم. لأنه يضعك أمام حقيقة واحدة: أنك كنت تنتظر… لتؤجل أن تعيش.

وفي هذه اللحظة، دون ضجيج، دون إعلان، دون قرار واضح، يبدأ شيء صغير بالتغيّر. ليس راحة، وليس سلامًا، بل بداية وعي.

وعي بأن الانتظار لم يكن أملًا كما كنت تظن… بل كان قيدًا، قيدًا جعل حياتك معلّقة بشيء لم يكن يومًا في طريقه إليك.