خلف الستاربقلم صدى القارئ فصل 1

الخيوط التي لا تُرى

6 دقائق قراءة · 1,053 كلمة

ليلة شتاء قارس، تعصف الرياح في أزقة المدينة القديمة، فتضرب الجدران العتيقة بقسوة، وتحرك أبواب الخشب المهترئ بعنف، فيصدر عنها صرير طويل يشبه أنينًا قديمًا عالقًا بين الزمن والذاكرة، وكأن المكان نفسه يحاول أن يحذر من شيء لم يحدث بعد.

في إحدى تلك الأزقة الضيقة، داخل مبنى قديم يكاد ينهار، كانت هناك غرفة صغيرة بالكاد تتسع لطاولة خشبية مهترئة وكرسي وحيد وعدة رفوف مكدسة بكتب متراكمة بشكل عشوائي، وكأن أحدًا لم يلمسها منذ سنوات طويلة، بينما كانت شمعة يتيمة تتوسط المكان، يتراقص ضوؤها الخافت مع كل نسمة هواء تتسلل من شقوق الجدران، فترسم ظلالًا متحركة توحي أحيانًا بأنها تراقب أكثر مما تُرى.

جلس الشاب أمام الطاولة، منحنيًا قليلًا إلى الأمام، وعيناه تتحركان ببطء بين التفاصيل المحيطة به، وكأنه يحاول أن يلتقط شيئًا غير مرئي، بينما كانت أنفاسه غير منتظمة، ويداه ترتجفان ارتجافًا خفيفًا رغم محاولته إخفاء ذلك، إذ لم يكن البرد هو السبب الحقيقي، بل ذلك الشعور الثقيل الذي بدأ يتسلل إلى داخله دون تفسير واضح.

أمامه، وسط الفوضى التي تغطي الطاولة، استقرت مخطوطة بدت مختلفة عن كل ما يحيط بها، فلم تكن مجرد كتاب قديم أو ورقة مهملة، بل كانت تحمل حضورًا غريبًا يجذب الانتباه دون أن يطلبه، وكان غلافها الداكن خاليًا من أي عنوان، لكنه يحمل خدوشًا دقيقة توحي بأنها انتقلت بين أيدٍ كثيرة أو مرت عبر زمن أطول مما ينبغي.

مدّ يده نحوها ببطء، ثم توقف لثوانٍ قصيرة، وكأن شيئًا داخليًا يحاول منعه من لمسها، لكنه تجاهل ذلك الشعور في النهاية، وفتح المخطوطة بحذر، وكأن كل صفحة تحتاج إذنًا خاصًا لتُقلب دون أن تُزعج ما تخفيه بين سطورها.

وقعت عيناه على جملة مكتوبة بخط غريب وغير منتظم، لكنها كانت حادة بطريقة تجعل تجاهلها مستحيلًا، إذ بدت وكأنها لا تُكتب ليقرأها أي شخص، بل لتصل إليه هو تحديدًا:

“كل ما تظنه مستقرًا في عالمك، ليس سوى شبكة من الخيوط الخفية… وكل حركة محسوبة بدقة.”

أعاد قراءتها أكثر من مرة، دون أن يدرك سبب ذلك، وكأن الكلمات لا تُقرأ فقط بل تتسلل إلى داخله تدريجيًا، تاركة أثرًا يصعب تجاهله، بينما شعر بثقل غير مريح يستقر في صدره، وكأن الهواء أصبح أثقل أو أن الغرفة تضيق حوله ببطء دون أن تتحرك جدرانها.

وعندما رفع نظره قليلًا عن الصفحة، لاحظ أشياء لم يكن يراها من قبل رغم وجودها أمامه طوال الوقت، إذ كانت هناك رموز وأرقام ودوائر متقاطعة مرسومة على أوراق متناثرة، إضافة إلى أسهم تشير إلى أماكن غير محددة، وكأنها أجزاء من مخطط أكبر لم تكتمل صورته بعد.

اقترب أكثر، وبدأ يتتبع تلك العلامات بعينيه ببطء شديد، فلاحظ تواريخ متباينة بين القديم والحديث، وأسماء غير مكتملة أو ربما مشفرة، ورغم أنه لم يفهم معناها بشكل واضح، إلا أن الرابط بينها كان واضحًا بشكل مقلق، وكأن كل شيء محسوب بدقة ولا وجود لأي عنصر عشوائي.

في تلك اللحظة، تسلل إلى داخله إحساس خافت بأن ما يراه لا ينبغي أن يُفهم بسهولة، وأن مجرد محاولته للفهم قد تضعه في مكان لم يكن مستعدًا له، لكنه لم يستطع التراجع، وكأن فضوله بدأ يتغلب على خوفه تدريجيًا.

وبينما مدّ يده ليقلب الصفحة التالية، سمع صوتًا خافتًا يأتي من خلف الباب، فتجمد جسده بالكامل، وتوقفت حركته وكأن الزمن نفسه تباطأ، بينما حاول أن يركز سمعه ليتأكد مما إذا كان ما سمعه حقيقيًا أم مجرد وهم.

لم يكن الصوت قويًا، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليؤكد أن هناك من تحرك في الخارج قبل لحظات، مما جعله يرفع رأسه ببطء شديد نحو الباب، وعيناه مثبتتان عليه وكأنهما تحاولان اختراقه ومعرفة ما وراءه.

بعد لحظات من التردد، نهض من مكانه وتقدم بحذر، وكانت خطواته ثقيلة رغم بطئها، حتى وصل إلى الباب، فوضع يده على المقبض وتوقف لثانية قصيرة قبل أن يفتحه فجأة، وكأنه يحاول الإمساك بمن يقف خلفه.

لكن الممر كان فارغًا تمامًا، ولم يكن هناك أي أثر لوجود أحد، رغم أن الهواء بدا أبرد من المعتاد، وكأن الباب فُتح قبل لحظات بالفعل، مما زاد من شعوره بعدم الارتياح بدل أن يخففه.

وقف قليلًا يحدق في الفراغ، ثم عاد ببطء إلى الغرفة، لكنه لم يبتعد كثيرًا، بل توقف فجأة عندما لاحظ وجود ورقة صغيرة على الأرض قرب الطاولة، رغم أنه متأكد من أنها لم تكن هناك قبل لحظات.

انحنى والتقطها بحذر، وقلبها ببطء، ليجد عليها عبارة مكتوبة بخط مختلف تمامًا:

“الأشياء لن تبقى مخفية للأبد… الوقت ينفد.”

شعر بأن نبضات قلبه تسارعت بشكل مفاجئ، وكأن الكلمات ضغطت على شيء عميق داخله، فرفع نظره بسرعة نحو الباب ثم نحو النافذة المغلقة بإحكام، لكنه لم يعد متأكدًا إن كان وحده فعلًا داخل هذه الغرفة.

عاد إلى الطاولة وجلس، واضعًا الورقة بجانب المخطوطة، ثم بدأ ينظر بينهما وبين الرموز المنتشرة، محاولًا ربط كل ما يحدث، لكن كل إجابة محتملة كانت تقوده إلى سؤال أكثر غموضًا.

وقبل أن يتمكن من ترتيب أفكاره، قطع الصمت صوت رنين الهاتف الموضوع على طرف الطاولة، فالتفت إليه ببطء، وكأن الصوت نفسه دخيل على هذا المكان، ثم نظر إلى الشاشة ليجد رقمًا مجهولًا يتصل به.

تردد للحظات، لكنه في النهاية أجاب، ليقابله صمت قصير، قبل أن يأتيه صوت هادئ ومنخفض يحمل نبرة حادة لا تقبل التهاون:

“توقف… لا تقرأ أكثر، إذا كنت لا تريد أن تتورط، لأن بعض الأبواب، إذا فُتحت، لا تُغلق.”

وقبل أن يتمكن من الرد، انقطع الاتصال، تاركًا خلفه شعورًا واضحًا بأن ما يحدث ليس صدفة، وأن هناك من يراقب كل خطوة يقوم بها.

في تلك الليلة، لم يستطع النوم، وظل جالسًا لساعات طويلة يحاول فهم ما يحدث، لكن كل ما توصل إليه كان حقيقة واحدة فقط، وهي أنه دخل طريقًا لا يعرف نهايته.

ومع أول خيوط الصباح، خرج إلى الشارع، وكانت المدينة تبدو طبيعية كما اعتاد رؤيتها، لكن ذلك الإحساس لم يختفِ، بل أصبح أوضح، خاصة عندما بدأ يلاحظ تفاصيل صغيرة مثل شخص يمر بجانبه ثم يراه مرة أخرى في مكان مختلف، أو سيارة تتحرك ببطء وكأنها تراقبه دون أن تتوقف.

ومع ازدياد هذا الشعور، تذكر الرموز التي رآها، وخاصة ذلك الشكل الذي تكرر أكثر من مرة، وعندما رفع رأسه، وجد نفسه يقف أمام مكتبة قديمة مهجورة، يحمل مدخلها نفس الملامح التي رآها في الأوراق، مما جعله يتقدم نحوها دون تردد كبير.

دخل ببطء، وكان المكان هادئًا بشكل غير طبيعي، قبل أن يسمع صوت رجل يقول من الداخل:

“تأخرت… كنت أعلم أنك ستأتي، لأنك رأيت ما لا يجب أن يُرى.”

ظهر الرجل من الظل، وملامحه نصف مخفية، ثم مدّ يده وأعطاه ظرفًا صغيرًا، قائلاً بصوت منخفض:

“هذا سيقودك لما هو أبعد… لكن القرار لك إن كنت ستكمل.”

فتح الشاب الظرف، فوجد خريطة مليئة بنفس الرموز، ومعها جملة واحدة:

“اتبع الخيوط… قبل أن تُقطع.”

وعندما رفع رأسه، لم يجد الرجل أمامه، وكأن وجوده كان مجرد لحظة عابرة.

بقي واقفًا في منتصف المكتبة، والخريطة بين يديه، بينما كان داخله يهمس بحقيقة واحدة فقط:

الطريق بدأ… ولا عودة منه.