ما بعد العبور
3 دقائق قراءة · 564 كلمة
كان الصمت الذي تبع العبور مختلفًا عن أي صمت عرفه مراد من قبل.
ليس صمت كهف، ولا غابة، ولا حتى فراغ الليل… بل شيء أعمق، كأن الصوت نفسه لم يعد له حق في الوجود.
وقف مراد دون حركة.
الهواء حوله لم يكن باردًا ولا دافئًا، بل غريبًا… كأنه لا ينتمي لأي تعريف يعرفه الجسد.
رفع رأسه ببطء.
ولم يعد هناك كهف.
كان في مكان مفتوح.
سماء واسعة تمتد بلا نهاية واضحة، لونها غير ثابت، يتأرجح بين الأزرق والرمادي، كأنها ليست طبقة واحدة بل عدة طبقات فوق بعضها.
الأشجار المنتشرة في الأفق لم تكن أشجارًا مألوفة.
كانت أطول مما ينبغي، وأقرب لشيء “حيّ” أكثر من كونها نباتات، كأنها تتنفس ببطء وهي ثابتة في مكانها.
الأرض تحت قدميه لم تكن ترابًا.
بل خليط غريب من صخور لامعة وأعشاب تتحرك بخفة، كأنها تستجيب لوجوده.
تراجع مراد خطوة.
ثم أخرى.
“وين… أنا؟” خرج صوته مكسورًا.
لا إجابة.
لكن الإحساس كان واضحًا… المكان يلاحظ وجوده.
خطا خطوة للأمام، ثم توقف.
كل شيء حوله يبدو واقعيًا… لكنه ليس منطقيًا.
“أكيد في تفسير…” همس لنفسه، كأنه يتمسك بأي فكرة تمنعه من الانهيار.
لكن التفسير لم يأتِ.
شيء ما تحرك.
ليس صوت خطوات واضح… بل إحساس بحركة لا تُرى.
التفت بسرعة.
“مين هناك؟”
الصمت.
ثم، بين الأشجار البعيدة، ظهر ظل.
في البداية لم يكن يمكن تمييزه، كأنه جزء من المكان نفسه.
لكن كلما اقترب، بدأ يتخذ شكلًا.
كائن واقف… ليس إنسانًا، ولا شيئًا معروفًا بالكامل.
جسده متماسك، لكن فيه شيء غير ثابت، كأن ملامحه تتغير دون أن تتحرك.
وعيناه…
لم تكونا عدائيتين.
لكن فيهما ثقل غريب، كأنهما لا تنظران إليه فقط، بل “تقرأانه”.
مراد تراجع تلقائيًا.
“شو… شو أنت؟”
توقف الكائن.
وبقي صامتًا طويلًا.
ثم قال بصوت هادئ بشكل مربك:
“أنت مش من هون.”
ابتلع مراد ريقه.
“أنا دخلت من بوابة… لازم أرجع.”
تغير شيء بسيط في الجو.
كأن الكلمة الأخيرة لم تعجب المكان.
“بوابة…” كرر الكائن بصوت منخفض.
ثم أضاف:
“أنت عبرت من القفل.”
تجمد مراد.
“قفل؟ أنا لقيت قلادة بس…”
عند كلمة “قلادة”، تحركت نظرة الكائن لأول مرة.
ليس خوفًا… بل انتباه.
كأنه سمع بداية شيء كان ينتظره.
“إذا القلادة معك…” قال ببطء، “فأنت وصلت أبعد مما يجب.”
مراد شعر أن صدره يضيق.
“طيب مين أنت؟”
صمت قصير.
ثم قال:
“ماكس.”
الاسم لم يبدو مجرد تعريف… بل كأنه معروف مسبقًا لهذا المكان.
“حارس هذا الامتداد.”
مراد كرر بصوت منخفض:
“حارس؟”
لم يرد ماكس مباشرة.
كان يراقبه فقط، كأنه يحاول التأكد من شيء غير واضح.
“كيف دخلت؟”
مراد أشار بيده بلا ترتيب، وكأن عقله لا يلحق الأحداث:
“بوابة داخل كهف… القلادة فتحتها… وانتهى كل شيء…”
صمت.
ماكس أغمض عينيه لحظة قصيرة.
كأنه يستمع لشيء لا يسمعه غيره.
ثم فتحهما.
“الغابة القديمة…” قال بهدوء، “إما أنها اختارتك… أو أنك دخلت مكانًا لم يُفترض أن يُفتح.”
ارتفعت نبرة مراد قليلًا:
“أنا مش فاهم أي شيء! أنا بس كنت بدور على مكان بيحكوا عنه!”
ثبت ماكس نظره عليه.
“والآن أنت داخل مكان لا يخرج منه أحد وهو لا يفهم أين هو.”
صمت ثقيل سقط بينهما.
مراد نظر حوله من جديد.
المكان أصبح أكبر في عينيه الآن… ليس في المساحة فقط، بل في المعنى.
“طيب… وين أنا بالضبط؟”
نظر ماكس نحو الأفق.
ثم قال:
“هذا ليس عالمك.”
توقف قليلًا.
ثم أضاف بهدوء أخف، لكنه أخطر من الجملة الأولى:
“وهذا أول شيء لازم تفهمه… قبل ما تسأل أي سؤال ثاني.”
في تلك اللحظة، لم يعد مراد يشعر أنه ضائع فقط.
بل شعر أنه دخل شيء لا يعرف حتى كيف يبدأ بفهمه.
ولأول مرة…
فهم أن العودة ليست سؤالًا بسيطًا.
بل احتمال قد لا يكون موجودًا أصلًا.